المنشورات

عبد الصمد بن عمر بن محمد بن إسحاق، أبو القاسم الدينَوَريّ الواعظ الزاهد

قرأ القرآن ودرس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وسمع الحديث من أبي بكر النجاد، وروى عنه الأزجي، والصيمري. وكان ثقة، ولزم طريقة يضرب بها المثل من المجاهدة للنفس واستعمال الجد المحض والتعفف والتقشف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أنبأنا محمد بن عبد الباقي [8] ، وأنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: كان عبد الصمد يدق السعد في العطارين ويذهب مذهب التدين والتصون والتعفف والتقشف، فسمع عطارا يهوديا يقول لابنه: يا بنى قد جربت هؤلاء المسلمين فما وجدت فيهم ثقة، فتركه عبد الصمد أياما ثم جاءه، فقال: أيها الرجل [1] تستأجرني لحفظ دكانك. قال: نعم، وكم تأخذ منى؟ قال: ثلاثة أرطال خبز ودانقين فضة كل يوم، قال: قد رضيت، قال: فأعطني الخبز إدرارا واجمع لي الفضة عندك فإني أريدها لكسوتي. فعمل معه سنة، فلما انقضت جاءه فحاسبه فقال: انظر إلى دكانك، قال: قد نظرت، قال: فهل وجدت خيانة أو خللا، قال: لا والله، قال: فإني لم أرد العمل معك وإنما سمعتك تقول لولدك في الوقت الفلاني إنك لم تر في المسلمين أمينا، فأردت أن انقض عليك قولك وأعلمك إنه إذا كان مثلي وأنا أحد الفقراء على هذه الصورة فغيري من المسلمين على مثلها/ وما هو أكثر منها [2] . ثم فارقه وأقام على دق السعد مدة وعرفه الناس واشتهر بفعله ودينه عندهم وانقطع إلى الوعظ، وحضور الجوامع وكثر أصحابه وشاع ذكره، وكان ينكر على من يسمع القضيب.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ [3] ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي، قال: حدثني على بن محمد بن الحسن المالكي، قال: جاء رجل إلى عبد الصمد [4] بمائة دينار ليدفعها إليه، فقال [5] : أنا غنى عنها، فقال: ففرقها على أصحابك هؤلاء، فقال: ضعها على الأرض. ففعل، فقال عبد الصمد للجماعة: من احتاج [منكم] [6] إلى شيء، فليأخذ على قدر حاجته. فتوزعتها الجماعة على صفات مختلفة من القلة والكثرة ولم يمسها هو بيده. ثم جاءه ابنه بعد ساعة فطلب منه شيئا، فقال له: اذهب إلى البقال فخذ منه على ربع رطل تمر.
وبلغنا عن عبد الصمد أنه اشترى يوما دجاجة [7] وفاكهة وحلوى فرآه بعض أصحابه فتعجب فمشى وراءه فطرق باب أرامل وأيتام فأعطاهم ذلك ثم التفت فرآه فقال له: المتقى يزاحم أرباب الشهوات ويؤثر بها في الخلوات حتى لا يتعب بها جسمه ولا يظهر بتركها اسمه.
توفي عبد الصمد بدرب شماس من نهر القلائين بالجانب الغربي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة.
وقيل: توفي ليلا وكان يقول في حالة نزعه: سيدي لهذه الساعة خبأتك. صلى عليه بجامع المنصور، ودفن في مقبرة الإمام أحمد.






مصادر و المراجع :

١- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید