أشْكو إلى الرّحْمنِ سُبْحانَهُ . . . تقلُّبَ الدّهْرِ وعُدْوانَهُ
وحادِثاتٍ قرعَتْ مَرْوَتي . . . وقوّضَتْ مَجدي وبُنْيانَهُ
واهْتصَرَتْ عودي ويا ويلَ منْ . . . تهتَصِرُ الأحداثُ أغصانَهُ
وأمحَلَتْ ربْعيَ حتى جلَتْ . . . منْ ربْعيَ المُمْحِلِ جِرْذانَهُ
وغادرَتْني حائِراً بائِراً . . . أُكابِدُ الفَقْرَ وأشْجانَهُ
منْ بعْدِ ما كنتُ أخا ثروَةٍ . . . يسحَبُ في النّعْمَةِ أرْدانَهُ
يختَبِطُ العافونَ أوْراقَهُ . . . ويحْمَدُ السّارونَ نيرانَهُ
فأصبحَ اليومَ كأنْ لمْ يكُنْ . . . أعانَهُ الدّهرُ الذي عانَهُ
وازْوَرّ مَنْ كانَ لهُ زائِراً . . . وعافَ عافي العُرْفِ عِرْفانَهُ
فهلْ فتًى يحْزُنُهُ ما يَرى . . . منْ ضُرّ شيخٍ دهْرُهُ خانَهُ
فيَفْرِجَ الهَمَّ الذي همَّهُ . . . ويُصلِحَ الشّانَ الذي شانَهُ
قال الرّاوي : فصَبَتِ الجماعَةُ إلى أن تستَثبِتَهُ . لتَستَنجِشَ خُبْأتَهُ . وتستَنفِضَ حَقيبتَهُ . فقالتْ لهُ : قد عرَفْنا قدْرَ رُتبتِكَ . ورأيْنا دَرَّ مُزنَتِكَ . فعرّفْنا دوْحةَ شُعبَتِكَ . واحْسِرِ اللّثامَ عنْ نِسبَتِكَ . فأعْرَضَ إعْراضَ منْ مُنيَ بالإعْناتِ . أو بُشّرَ بالبَناتِ . وجعلَ يلعَنُ الضّروراتِ . ويتأفّفُ منْ تغَيُّضِ المُروءاتِ . ثمّ أنشدَ بلَفظٍ صادِعٍ . وجَرْسٍ خادِعٍ :
لعَمْرُكَ ما كُلُّ فرْعٍ يدُلّ . . . جَناهُ اللّذيذُ على أصلِهِ
فكُلْ ما حَلا حينَ تُؤتى بهِ . . . ولا تسألِ الشّهْدَ عنْ نحْلِهِ
وميّزْ إذا ما اعتَصرْتَ الكُرومَ . . . سُلافَةَ عصْرِكَ منْ خَلّهِ
لتُغْلي وتُرْخِصَ عنْ خِبرَةٍ . . . وتشْريَ كُلاًّ شِرَى مثلِهِ
فعارٌ على الفَطِنِ اللّوذَعيّ . . . دُخولُ الغَميزَةِ في عقلِهِ قال : فازْدَهى القومُ بذَكائِهِ ودهائِه . واختلَبَهُمْ بحُسْنِ أدائِهِ مع دائِهِ . حتى جمَعوا لهُ خَبايا الخُبَنِ . وخَفايا الثُّبَنِ . وقالوا لهُ : يا هَذا إنكَ حُمْتَ على رَكِيّةٍ بَكيّةٍ . وتعرّضْتَ لخَليّةٍ خليّةٍ . فخُذْ هذِه الصُّبابَةَ . وهَبْها لا خطأً ولا إصابَةً . فنزّلَ قُلَّهُمْ منزِلَةَ الكُثْرِ . ووصَلَ قَبولَهُ بالشُكْرِ . ثمّ تولّى يجُرّ شِقَّهُ . وينْهَبُ بالخَبْطِ طُرْقَهُ . قالَ المُخبِرُ بهذِهِ الحِكايَةِ . فصُوّرَ لي أنّهُ مُحيلٌ لحِلْيَتِهِ . متصَنّعٌ في مِشيَتِهِ . فنهَضْتُ أنْهَجُ مِنْهاجَهُ . وأقْفو أدراجَهُ . وهوَ يلْحَظُني شَزْراً . ويوسِعُني هجْراً . حتى إذا خَلا الطّريقُ . وأمْكَنَ التّحْقيقُ . نظرَ إليّ نظرَ منْ هشّ وبشّ . وماحَضَ بعْدَما غشّ . وقال : إني لإخالُكَ أخا غُربَةٍ . ورائِدَ صُحبَةٍ . فهلْ لكَ في رَفيقٍ يَرفُقُ بكَ ويُرفِقُ . ويَنفُقُ عليْك ويُنفِقُ ؟ فقلتُ لهُ : لو أتاني هذا الرّفيقُ . لواتاني التّوْفيقُ . فقال لي : قدْ وجَدْتَ فاغْتَبِطْ . واستَكْرَمْتَ فارتَبِطْ . ثمّ ضحِكَ مليّاً . وتمثّلَ لي بَشَراً سَوِيّاً . فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيّ لا قَلَبَةَ بجسمِهِ . ولا شُبهَةَ في وسْمِهِ . ففرِحْتُ بلُقيَتِهِ . وكذِبِ لَقْوَتِهِ . وهمَمْتُ بمَلامَتِهِ . على سوء مَقامَتِهِ . فشَحا فاهُ . وأنشدَ قبلَ أنْ ألْحاهُ :
ظهَرْتُ برَتٍّ لكَيْما يُقالَ . . . فقيرٌ يُزَجّي الزّمانَ المُزَجّى
وأظهرْتُ للنّاسِ أنْ قد فُلجتُ . . . فكمْ نالَ قلْبي بهِ ما ترَجّى
ولوْلا الرّثاثَةُ لمْ يُرْثَ لي . . . ولوْلا التّفالُجُ لمْ ألْقَ فُلْجا
ثمّ قال : إنّهُ لم يبْقَ لي بهذِه الأرضِ مرتَعٌ . ولا في أهلِها مطْمَعٌ . فإنْ كنتَ الرّفيقَ . فالطّريقَ الطّريقَ . فسِرْنا منها متجرِّدَينِ . ورافَقْتُهُ عامَينِ أجرَدَينِ . وكنتُ على أنْ أصحبَهُ ما عِشْتُ . فأبى الدّهْرُ المُشِتُّ .
مصادر و المراجع :
١- مقامات الحريري
المؤلف: القاسم
بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد الحريري البصري (المتوفى: 516 هـ)
دار النشر: دار
الكتاب اللبناني - بيروت - 1981
الطبعة: الأولى
تعليقات (0)