يقولون: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، وأقول: ما عذب الله عباده بنازلة القضاء، وصاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر، والموت الأحمر، والخوف من الجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، بمثل ما عذبهم بالأمل الباطل،وما ليلة نابغية ضرير نجمها، حالك ظلامها، يبيت منها صاحبها على مثل روق الظبى خيفة وحذارا، فوق أرض تعزف جنانها1، وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها، بأسوأ في نفسه أثرا من رجاء كاذب يتردد بين جنبيه، تردد الغصة بين لحييه، لا هي نازلة فيطعمها، ولا صاعدة فيقذفها.
قد أصبحت أحسد الوحوش الهائمة على وجوهها في بطون الأودية، وقنن الجبال، أن أراها ساربة في مساربها، سارحة في مسارحها، تتناول رزقها رغدا من بوارق المصادفات، ومفاجآت المقادير، لا يعنيها الأسف على فائت من العيش، ولا يقلقها الطمع في آتٍ من الرزق، قد قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب2، فتساوى لديها شحمها ولحمها، وشيحها وقيصومها، وسعدها ونحسها، ونعيمها وبؤسها، فما تحفل بنوازل القضاء، ولا رجوم السماء، ولا تبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليها.
فمن لي بهذا العيش من عيش مَثَلي فيه كمثل رجل عثرت به قدمه, فسقط في جوف بئر بعيد غورها، ناءٍ مكانها، فما زال يتخبط ويضطرب، ويهب ويثب، حتى عثر بمرقاة علقت رجله بها ثم تلمس أخرى غيرها فما وجدها حتى بلغ منه الجهد أو كاد، فلم يصبر على الثانية صبره على الأولى فسقط فخاف الغرق, فعاد إلى تلمسه، فعاد إلى سقوطه، فلا هو بالغ رأس البئر فينجو من الموت، ولا هو بالغ قرارة الماء، فينجو من الشقاء.
ارم بطرفك حيث شئت من الناس, هل تبصر إلا صريعا صرعه أمله، أو قتيلا قتله رجاؤه، أو صديقا يشكو غدر صديق كان يعده لنوائب الدهر فأصبح عون النوائب عليه، أو باكيا يبكي وليدا كان يرجوه لمستقبل دهره ففجعته الأيام فيه، أو ساعيا دائبا وراء غاية يطلبها من الدهر فلا يقرب منها حتى يبتعد عنها، ولا يمسك بها حتى تفلت من يديه، أو ساهرا متململا لولا أمله أن تنيله الأيام ما يشتهيه من هواه ما بات ليله شاكيا باكيا، داعيا مناجيا، لا تراه إلا عين السماء، ولا تسمعه إلا أذن الجوزاء.
هذه حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعا وأفارق عشيرتي وصحبتي، ويراعي ومحبرتي، علني أجد في البعد عن مثارات الأماني ومباعث الآمال راحة اليأس، فاليأس خير دواء, لأمراض الرجاء.
فها أنذا قابع في كسر بيتي لا مؤنس لي إلا وحشتي، ولا أنيس إلا وحدتي، أتخيل البيت قبرا، والثوب كفنا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم؛ لأعالج نفسي على نسيان الحياة، وأمانيها الباطلة، ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك, والسلام.
مصادر و المراجع :
١- النظرات
المؤلف: مصطفى
لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المَنْفَلُوطي (المتوفى: 1343هـ)
الناشر: دار
الآفاق الجديدة
الطبعة: الطبعة
الأولى 1402هـ- 1982م
تعليقات (0)