إلا أن القَينات المُتظرِّفات، والنساء القَصريّات، ربما تظرّفن بأكل المالح والمملوح في منازل متعشّقيهن، وبيوت مرابطيهن، فيذهبن به مذهب طَرْح المؤونات، وخفّة النفقات. ولا يأكلون الجراد والإرْبيان، لعلة شبههما بالأشياء القبيحة من الحيوان، ولا يأكلون الحبوب التي تهيّج الأرياح وتُولِّد القَرْقَرة والانتفاخ؛ ولا يأكلون في النهار أكثر من أكلةٍ، ويُكثرون القيام في مجالسهم، ولا يُكثرون من الضحك والكلام عند حضور المائدة والطعام، ولا يتخلّلون على المائدة قبل أن تَفرُغ، ولا يتحفّزون لمجيئها قبل أن تُوضع، وإذا غسلوا أيديهم لم يطلبوا الغسل قبل طلب إيتائها من الوسخ والكَدر، ولم يقصدوا التقصير الذي يبقى منه رائحة الغَمَر، وكذلك أيضاً إذا تَمَندلوا فعلوا كفعلهم إذا غسلوا.
فأما النُّفلُ فإنهم يُحضِرونه موائدهم، ويُطعِمونه ولائدهم، ولا يُكثرون من أكله، ولا يأتون على كُلّه، وإنما يعبثون منه بالشيء اليسير من النعنع، ويجتنبون من ذلك الهِندَبا والأُكشوث لبردهما، والفُجل والحُرف لنتهما، والكُرّاث والبصل لرائحتهما، والقَدّاح والحَنْدَقوقا لخشنهما،ولأنهما أيضاً يُخضّران الأسنان والعُمور، ويُحدِثان الرائحة والتغيير، ولم يقع الثوم في قِدرٍ فيذوقونه، ولا البصل فيقرَبونه، ولا يلفظون باسم الطَّرخون لابتداء اسمه، وشناعة لفظه، فيَككنون عنه، فيُضيفونه إلى النعنع، وقد سماه آخرون كافور الفؤاد، وكلّ يقصد إلى معناه.
والخسّ لا يقربونه لموضع تفقئته، والخيار لا يأكلونه لعلّة برده، والجُزر يتجلَلون عن مسّه، ولا يَرَون النظر إليه دون أكله؛ وكذلك القثّاء، والهِلْيَون؛ ولموضع النوى أيضاً رغبوا عن أكل الزيتون، ورغبوا عن أكل ما خالطه النوى من فاكهة الصيف والشتاء مثل القَسْبِ والبُسر والمُشقَّق أيضاً والتمر؛ وكذلك سائر الأرطاب والمِشمِش، والنَّبْق والعُنّاب؛ وكذلك في الخوخ، والشّاهلوج، والإجّاص، وهو عندهم من أكل العَوامّ، لا من أكل الخواصّ، ولا يَنفُقُ عندهم الرُّمّان والتين، وهذان عندهم والبطّيخ من التجين؛ خاصة إذا انشقّت الرّمّانة، وتصدّعت البطيخة، وإذا انكسرت جَوزةٌ ولوزةٌ، وتينة، وموزةٌ، ولا يدفع بعضهم إلى بعض وردةً واحدة، ولا نَبقةً واحدةً، ولا لوزة واحدة، للتسفيل، ولِما يقع فيه من التمثيل.
ولا تقول متظرّفة لأخرى هذه وردتكِ، ولوزتكِ، ونبقتُكِ، وجوزتك، ورمانتك،وتينتك، وذلك عندهم أجلّ العيوب، تشمئزّ منه القلوب، ويَجتنبونه أشدّ الاجتناب، ويكتئبون له أمرَّ اكتئابٍ.
وكذلك لا تقول واحدةٌ لأخرى: ارفعي رجلكِ، ولا ذيلك، ولا اقعُدي عليه، ولا أدخليه وأخرجيه، ولا أصعديه، ولا صُبيّه، ولا انفُخيه، ولا سيّبي، ولا سرّحي، ولا شيلي، ولا انتحي، ولا اعملي، ولا قد عملتِ، ويَجتنبون ذلك وما أشبهه من الكلام، مما كثُر استعماله في خِطاب العوامّ، ولا يَكادون يلفظون به، ولا يُطيف بألسنتهم، ولا يُجيزونه في شيء من مُخاطبتهم، ويَحذرونه، ويتوقّون منه، ويَعيبون المتكلّم به، ويُعرضون عنه.
مصادر و المراجع :
١- الموشى = الظرف والظرفاء
المؤلف: محمد بن
أحمد بن إسحاق بن يحيى، أبو الطيب، المعروف بالوشاء (المتوفى: 325هـ)
المحقق: كمال
مصطفى
الناشر: مكتبة
الخانجي، شارع عبد العزيز، مصر - مطبعة الاعتماد
الطبعة: الثانية،
1371 هـ - 1953 م
تعليقات (0)