International Relations and Social Sciences
ميليا کورکي وکولن وايت (MILA KURKI AND COLIN WIGHT) محتويات الفصل
•.
مقدمة فلسفة العلوم الاجتماعية في تخصص العلاقات الدولية: نظرة تاريخية عامة النظرية المعاصرة في تخصص العلاقات الدولية: العلم والحوار الرابع استكشاف المضامين الرئيسة لاختلافات النظرية الشارحة في نظرية العلاقات الدولية
الاستنتاج
دليل القارئ
يقدم هذا الفصل نظرة شاملة عن الفلسفة الرئيسة لحوارات العلوم الاجتماعية ضمن نظرية العلاقات الدولية). غالبا ما لا يتطرق منظرو العلاقات
(1) لقد استخدمنا مصطلح تخضع العلاقات الدولة (Imtemational Relations
(IR
فحسب من باب استخدام المصطلح السهل والمتعارف عليه. ولا تقصد الإيحاء بأن التخصص مقتصر على دراسة العلاقات بين الجهات الدولية الفاعلة. نحن نفضل مصطلح العالمي، رأو عولميا (global) بما أننا نعتقد ان التخصص يقوم بدراسة كلية التفاعلات العالمية ما بين طائفة واسعة من الجهات الفاعلة، وان هذا هو ما يجب على التخصص أن يدرسه.
الدولية إلى فلسفة العلوم الاجتماعية على نحو مصرح به، لكن القضايا الفلسفية متضمنة في مزاعمهم، ومنذ أواسط الثمانينيات، قامت حوارات النظرية الشارحة» (
meta - theoretical debates)، المحيطة بفلسفة العلوم الاجتماعية، بدور مهم وكثير الوضوح في التخصص، يستكشف هذا الفصل كلا من الأدوار الضمنية والصريحة التي أدتها افتراضات النظرية الشارحة في تخصص العلاقات الدولية، ويبدا بنظرة تاريخية عامة وموجزة عن فلسفة العلوم الاجتماعية ضمن تخصص العلاقات الدولية، ومن ثم نتدارس الحوارات التخصصية المعاصرة التي تحيط بفلسفة العلوم الاجتماعية. ويسلط الجزء الأخير الضوء على بعض الطرائق الرئيسة التي تقوم من خلالها مواقف النظرية الشارحة (meta
- heoretical positions) بتشكيل المقاربات النظرية لدراسة السياسة العالمية.
مقدمة
لقد مارست فلسفة العلوم الاجتماعية دورا مهما في تشكيل تخصص العلاقات الدولية بوصفه تخصصا أكاديميا، وفي تطويره وتطبيقه. وعادة ما يتم وصف القضايا المتعلقة بفلسفة العلوم الاجتماعية بأنها حوارات النظرية الشارحة. ولا تقوم في العادة النظرية الشارحة (meth
- theory) بأخذ حدث أو ظاهرة أو سلسلة من الممارسات التجريبية الواقعية محورا لتحليلها، لكنها تتعمق في الافتراضات الكامنة لكل النظرية، وتحاول أن تفهم النتائج التي يحدثها هذا النوع من الافتراضات على عملية التنظير وممارسة البحث التجريبي. وإحدى الطرائق للتفكير في هذا الأمر هي من حيث النظريات حول النظريات theories)
about theories)
وغالبا ما يتم إساءة فهم دور حوارات ما وراء النظرية الشارحة - met) (theoretical debates؛ فبعضهم يرى أن نظريات التنظير ليست أكثر من مقدمة تمهيدية للبحث التجريبي، فيما يرى بعضهم الآخر أنها تشتت التركيز عن القضايا الحقيقية التي يجب أن تهم التخصص. وفي أي حال، فمن المستحيل أن يستمر البحث في أي موضوع متخصص في العلوم الاجتماعية في غياب مجموعة من الالتزامات المضمنة في مواقف معينة إزاء فلسفة العلوم الاجتماعية. بهذا المعني، فإن المواقف المستندة إلى النظرية الشارحة تقوم جوهريا بتوجيه الأسلوب الذي يقوم من خلاله الأشخاص بالتنظير بشأن العالم، وفي الواقع ورؤية هذا العالم.
71
الصوغ هذا الأمر بمصطلحات فلسفية، فإن جميع المواقف النظرية تعتمد على افتراضات محددة حول العلاقات الأنطولوجية (نظرية أصل الوجود: مم يتكون العالم؟ وما هي الأشياء التي علينا دراستها؟)، والأصول الإبستيمولوجية نظرية المعرفة كيف نتوصل إلى تكوين معرفة عن العالم؟)، والمنهجية (methodology) (نظرية المنهجيات: ما هي المنهجيات أو طرائق البحث التي نستخدمها للكشف عن البيانات والأدلة؟). وبناء على هذه الافتراضات، يمكن الباحثين أن يصلوا إلى رؤية العالم خزفيا بطرائق مختلفة: أنطولوجيا من
حيث رؤية حقول مختلفة تناول الموضوعات، وإبستيمولوجيا من حيث نبول مزاعم معرفية معينة أو رفضها، ومنهجيا من حيث اختيار طرائق بحثية معينة. وتزخر المواقف المستندة إلى النظرية الشارحة بامکانات لنتائج عميقة للتحليل الاجتماعي، غالبا ما تكون غير معترف بها. وإن معرفة القضايا ذات الاهتمام في حوار النظرية الشارحة، ومعرفة أهمية هذه القضايا للأبحاث العلمية الفعلية تمثل نقطة بداية مهمة لفهم نظرية العلاقات الدولية، وتساعد الفرد في أن يدرك توجهه في مجال النظرية الشارحة بعمق أكبر.
وقد غلب على حوارات النظرية الشارحة التي تحيط بفلسفة العلوم الاجتماعية في تخصص العلاقات الدولية ميلها إلى الدوران حول سؤالين متداخلين: هل تخصص العلاقات الدولية علم أم فن؟ وما الذي تنطوي عليه الدراسة العلمية للسياسة العالمية؟ ويمكن اتخاذ موقف حول السؤال المتعلق بما إذا كان تخصص العلاقات الدولية علما أم لا، بالاستناد إلى تصور او آخر حول ماهية العلم فحسب، وإلى تصور لاعتقادنا حول ما هو تخصص العلاقات الدولية، وبذلك، فإن السؤالين عن ماهية العلم، وتخصص العلاقات الدولية، سابقان للسؤال حول إن كان من الممكن لتخصص العلاقات الدولية أن يكون علما، وهذا الأمر بأخذ النقاش حتما إلى حقل فلسفة العلوم. ويبدو هذا بعيدا جدا من اهتمامات التخصص الذي يركز على دراسة العمليات السياسية الدولية، ويعد إحباط بعضهم من داخل التخصص بشأن حوار النظرية الشارحة مفهوما. وعلى الرغم من ذلك، فليس ثمة سبيل إلى تفادي هذه القضايا، وفي الأقل يجب على جميع المساهمين في التخصص أن يفهموا الافتراضات التي تجعل موقفهم الخاص بهم ممکنا؛ كما وينبغي لهم أن يكونوا مدركين للمفاهيم البديلة للأمور التي يمكن أن تتضمنها كل من نظرية العلاقات الدولية والأبحاث المتعلقة بها.
المدة زمنية طويلة من تاريخ هذا الحقل المعرفي كانت هناك فلسفة علمية محددة هي المسيطرة. فقد أذى نفوذ الوضعية (positivism) بوصفها فلسفة في العلوم، ليس إلى تشكيل الطريقة التي نقوم فيها بالتنظير في الموضوع وما الذي يمكن اعتباره سؤالا مشروعا فحسب، بل أدى أيضا إلى تشكيل ما يمكن أن نعده شکلا مشروعا للأدلة والمعارف. ومثل هذا كان تأثير الوضعية على التخيل في التخصص، حتى أن أولئك المعنيين برفض المقاربات العلمية لتخصص العلاقات الدولية يميلون إلى القيام بذلك على أساس قبول عام للنموذج الوضعي لدراسة العلوم (the positivist model of science). وهنالك نقطتان جديرتان بالذكر في هذا الصدد، أولا، على الرغم من قبول كل من المؤيدين والنقاد على حد السواء للنموذج الوضعي للعلوم، فمن الواضح أن تصور الوضعية التي تسيطر على التخصص هو تصور بدائي وغير ناضج. ثانيا، وضمن فلسفة العلوم، غذت الوضعية منذ زمن بعيد أنها تصور غير صالح للتطبيق العلمي. ولو كان التخصص مستعدا للتعاطي مع فلسفة العلوم الاجتماعية، وتاليا فلسفة العلم، بجدية أكبر، لكان من الممكن تفادي ارتباطه طويل الأمد بالوضعية والذي حمل في ثناياه الضرر الكامن. لكن هذا لا يعني أن كل الأبحاث المستندة إلى مبادئ الوضعية غير صالحة. فنحن نؤمن بالتأكيد بأن الباحثين الأكاديميين الذين يمكن اعتبار أنهم يعملون ضمن النظام الفكري الوضعي، قد قدموا بعضا من أكثر المساهمات أهمية وديمومة للتخصص. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الرؤية للعلوم هي موضع خلاف ولا سبب يدعو للإصرار على أن جميع الأبحاث ينبغي أن تتناسب مع هذا النموذج االوضعيا. وعلى هذا النحو، فإن رفض النموذج الوضعي لدراسة العلوم لا يترتب عليه رفض للعلوم. ويحاج هذا الفصل بأنه يمكن أن تتقدم حوارات العلوم الاجتماعية ضمن هذا التخصص إلى الأمام من خلال إعادة دراسة شاملة لماهية العلم. وبذلك، إلى
73
جانب مراجعة الفلسفة التاريخية والمعاصرة لحوارات العلوم الاجتماعية في تخصص العلاقات الدولية، يوجه هذا الفصل الأنظار نحو تصورات جديدة للعلوم تم تقديمها للتخصص في حدود العقد الماضي تقريبا، وهذه الاعتبارات تنبئ بإعادة صوغ فهمنا لأهداف تخصص العلاقات الدولية ومنهجياته، باعتباره علما اجتماعيا. ونحن حاج بأن العلم ليس مبنيا باصرار دغماني على صحة مزاعمه، وإنما يعتمد على الالتزام بالنقد المستمر. فلسفة العلوم الاجتماعية في تخصص العلاقات الدولية:
نظرة تاريخية عامة
لقد كان تخصص العلاقات الدولية خلال تاريخه شديد الانقسام بشان کثير من القضايا، شأنه في ذلك شأن جميع العلوم الاجتماعية، ومن الطرائق الرائجة في رواية هذا التاريخ طريقة الرجوع إلى الحوارات العظمى (great debates) التي دارت حول هذه القضايا الرئيسية. تعد كلمة حوار، من نواح عدة، المصطلح الخاطى لاستخدامه، حيث إنه في بعض من هذه الحوارات وضعت مجموعة من علماء النظرية مقارباتها الخاصة بها على تضاد مباشر مع طرائق سابقة في التفكير، من دون توليد مجموعة ملموسة من الردود). لكن بعض الحوارات كان صادقا، وكان الباحثون الأكاديميون في التخصص جاهزين غالبا للاشتباك في ما بينهم لدى تناولهم مجالات الخلاف ذات الأهمية. وعلى الرغم من عدم وجود إجماع حول العدد الدقيق للحوارات العظمي، فإن أربعة منها هي التي تم قبولها عموما لكونها أدت دورا أساسيا في تشكيل التخصص
بشير الحوار الأول إلى التبادلات بين الواقعيين (realists) والمثاليين (idealists قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها وعقب انتهائها مباشرة. وقد أطلق هذا الحوار أساسا حول دور المؤسسات الدولية واحتمال إعادة صوغ اسباب
Brian Schmidt, The Political Discourse of Anarchy: A Disciplinary History of International (2) Relations (Albany: Sate University of New Yot he 1998 Ole Worver, The Rise and Fall of the Interparadigm Debule, in: Steve Smith, Ken Booth (3) and Marysia Zalewski, eds., International Theory: Positivism and Beyond (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 1996)
74
الحرب التجميلها وتحبيب الناس بها. وبرز الحوار الثاني في ستينيات القرن العشرين، وقد حضر التقليديين (traditionalists) الذين كانوا حريصين على الدفاع عن منهجية ذات توجه إنساني (humanistic methodology) أكبر، ضد المحدثين (modemizers) الذين سعوا إلى تقديم منهجيات أكثر صرامة للاختصاص. وقد ركز الحوار بين النماذج المعيارية الرئيسة (interparadigm debate) في حقبة السبعينيات والثمانينيات على الخلاف في الرأي بين وجهات النظر الواقعية (realist) والتعددية (pluralist) والماركسية (Marxist) والمتعلقة بالطريقة المثلى الفهم العمليات الدولية وتفسيرها. أخيرا فإن الحوار الراهن الذي يطلق عليه بعض المنظرين في العلاقات الدولية اسم الحوار الرابع، قد ركز على الخلافات عميقة الجذور في الأمور التي يجب على التخصص أن يدرسها، وعلى الكيفية التي ينبغي له أن يدرسها بها، وفيما سلطت هذه الحوارات الضوء على الانقسامات حول النماذج المعيارية الرئيسة (paradigmatic divisions) بين مدارس العلاقات الدولية الفكرية النظرية المختلفة والمستقل بعضها عن بعضها الآخر، برزت قضية - لم تكن موضع اهتمام في الغالب - لتخلل كل تلك الحوارات وتشكل اساسا لها جميعا. وتتعلق هذه القضية بما إذا كان من الممكن لتخصص العلاقات الدولية أن يكون، أو ينبغي له أن يكون، شكلا من أشكال الدراسة والبحث المعتمد على مبادئ علمية، أم لا.
العلم والحوار الأول
يقال إن الحوار العظيم الأول في التخصص قد انطلق بين المثاليين والواقعيين، فقد كان المثاليون مدفوعين بالرغبة في وضع مجموعة من المؤسسات والإجراءات والممارسات التي يمكنها أن تقضي على الحرب في النظام الدولي، أو في الأقل أن تحد منها. ولقد حفزتهم على ذلك أهوال الحرب العالمية الأولى، وكانوا مؤمنين بصدق بأنه لا بد من وجود طريقة أفضل لتنظيم الشؤون الدولية، وقد ظهر الجانب الأكثر وضوحا في برنامجهم، والأكثر أهمية من الناحية التاريخية، بشكل متسق في الخطة المؤلفة من أربع عشرة نقطة والتي وضعها وودرو ويلسون Woodrow Wilson) لإرساء نظام جديد لحقبة ما بعد الحرب. إلا أن المساهمة الأكثر ديمومة للمثاليين في تطوير التخصم كانت فكرة التخصص الأكاديمي الذي أنشئ لدراسة عالم السياسة الدولية. فلقد اعتبر المثاليون أن الجهل وعدم التفاهم كانا مصدرا أساسا للصراع الدولي. وكانت ثمة حاجة إلى فهم الإجراءات الدولية بطريقة أفضل إذا ما أريد للحد من الحروب أن يتحقق. وقد اعتقد المثاليون بأن التقدم لن يكون ممكنا إلا إذا تمكنا من تطوير العقل، واستخدامه للتحكم بالرغبات غير العقلانية وحالة الضعف التي تصيب البشر. وكانت ذروة العقل البشري في خدمة التحكم الفعال هي العلم. وقد قاد هذا التفكير إلى تأسيس قسم أكاديمي للسياسة الدولية في جامعة أبريستويث في ويلز، وكان الهدف من هذا التخصص الجديد إنتاج مجموعة من المعارف يمكن استخدامها في تعزيز السلام. وعلى الرغم من أن المثاليين لم يصرحوا قط بشكل واضح بالمعنى الذي يقصدونه من العلم، إلا أنهم كانوا ملتزمين بإنتاج معرفة ذات صفة علمية.
إن غياب التصورات الواضحة للعلم في السنوات الأولى من عمر التخصص أمر مفهوم، على اعتبار أن فلسفة العلوم ذاتها لم تكن قد تبلورت كاملة كحقل دراسي أكاديمي، وقد كان العلم بالنسبة إلى فكر عصر التنوير (Enlightenment)، أمرا بداهيا. غير أن نقد الواقعيين للمثاليين كان بالتشكيك في المدى الذي يمكن فيه اعتبار أن المعرفة التي أنتجها المثاليون علمية. وقام الواقعيون بالتحديد بتحدي المقاربة المثالية لغير النظامية، والمستهدفة لتعزيز القيم في تخصص العلاقات الدولية. وقد قام كل من إدوارد کار (4) (E
H . Carr) وهانز مورغنتاو) (تمت مناقشة هذه النقطة بتفصيل أكثر في الفصل الثالث) باتهام المثاليين بتركيز انتباههم على الكيفية التي ينبغي أن يكون عليها العالم، مقارنة بالتعامل مع ما هو العالم عليه موضوعيا. وفي هجوم انتقادي لاذع، قدم
o (4) An Introduction to the Sun
Crisis, 19/9/939 En and H. Com The Twenty Years
ed. (London: Penguin , P sd (London: Macmillan, 1946), and In Is History International Nerlani Books, 1987). Han J. Morgenthru Politics among Nerior The Struggler Power and Peace (New York: (9)
A. Knopf, 1945), and Scientic Man H. Power Politics (London: Lalimer Ps 1947) Ali
کار استنتاجه المشهور بأن الفرق بين الواقعية والمثالية كان مشابها للفرق بين العلم والخيمياء التي كانت تهدف عبئا إلى تحويل المعادن إلى ذهب]).
في أي حال، لا يمكن القول إن آيا من کار أو مورغتتاو قد تبنى، وبشكل غير ناقد، رؤية ساذجة للعلوم. فقد كان کار مدركا بشكل كبير للمكانة الإشكالية الما يسمى بالحقائق والمزاعم المصاحبة لها المتعلقة بالحقيقة. فمن الصعب لأي كان القول عن فكرته الشهيرة التي تتناول انسبية الفكر، ومعالجته الذكية للمنهج التاريخي، بأنهما تشكلان التزاما غير نقدي تجاه العلم. وعلى النحو عينه، فقد حاول مورغنتاو جاهدا أن يبعد مقارباته في العلوم السياسية عن محاولات بناء
قوانين حديدية صارمة، تقارن بتلك التي تم اكتشافها في العلوم الطبيعية. وعلى الرغم من قناعته بان السياسة الدولية تحكمها قوانين موضوعية، متأصلة في الطبيعة البشرية، فإن مورغنتاو صاغ سلسلة من الاعتراضات قوية الدلالة على أي محاولة لبناء علم في السياسة الدولية ضمن قالب العلوم الطبيعية. ففي النهاية، إذا كانت السياسة الدولية محكومة باقوانين موضوعية» متأصلة في الطبيعة البشرية، لگتا وجدنا الأسباب الحقيقية للحرب في علم الأحياء
البيولوجيا)، ولما استطاع أي علم ناشئ في تخصص العلاقات الدولية تزويدنا إلا باقتراحات حول التعامل مع حيز من النشاط البشري الذي كان سيكون إلى حد كبير محددا مسبقا. ولم تكن تصورات مورغتتاو لتخصص العلاقات الدولية معنية بتقديم سلسلة من التفسيرات العميقة لطريقة سير الأمور في العالم، وإنما هدفت إلى صوغ سلسلة من الأساليب وأنماط العمل في التعامل مع العالم على أساس تفسير بسيط ولافت في آن. مع ذلك، فعلى الرغم من هذه المحاذير والطبيعة المحدودة للحوار الذي يحيط بطرائق فهم العلم ضمن التخصص، فإن منزلة العلم كانت ذات أهمية في الحقبة المبكرة من تطور هذا الموضوع. وعلى أي حال، فقد تبوأ العلم مركز الصدارة في الحوار العظيم الثاني
can, The Tiend Years' Crisis, 1919 - 1939 Am Innaharrion to the Sucy of International (6) Relation, pp. 1 - 11. Magentha, Scientic Mam w. Power Politics.
العلم والحوار الثاني
أخذ الحوار الثاني النقاشات البلاغية المتعلقة بالعلوم وأعطاها مضمونا منهجيا. واستنادا إلى الثورة السلوكية behaviourist} [التي لا تقبل إلا بالمنهجية الإمبيريقية والتجارب المضبوطة في العلوم الاجتماعية، فقد سعت سلالة
جديدة من الباحثين الأكاديميين والعلمين في تخصص العلاقات الدولية، أمثال دايفد سينغر (David Singer) و مورتون كابلان (Morton Kaplan)، إلى تحديد طرائق علمية ونظامية في التحقيق العلمي لتخصص العلاقات الدولية والتمحيص بها. وقد أثارت البحوث السلوكية مقاومة ضارية عند أولئك الذين يلتزمون نموذجا أكثر ميلا إلى أن يكون تاريخانا (historicist) أو تأويليا (interpretive) في تخصص العلاقات الدولية.
ولقد راي مؤيدو الثورة السلوكية أنه لا يمكن أن يمضي تخصص العلاقات الدولية قدما إلا إذا قام عن وعي بقولية نفسه في نموذج للعلوم الطبيعية. وبحلول الوقت الذي برز فيه الحوار الثاني في تخصص العلاقات الدولية، كانت فلسفة العلم (philosophy of science) قد أصبحت تخصصا أكاديميا متطورا ومؤسسيا. إضافة إلى ذلك، سيطرت رؤية واحدة ضمن فلسفة العلم، وما يثير السخرية، أنه فيما كان تخصص العلاقات الدولية بشرع بتشكيل رؤيته عن العلوم، كان الإجماع ضمن فلسفة العلوم قد بدأ مسبقا في الظهور. كان نموذج العلوم المسيطر آنذاك يدعى بالوضعية (positivism)، وقد اعتنقه السلوكيون (behaviouralists) في تخصص العلاقات الدولية بحماسة. كان هناك عديد من النسخ [الأشكال للوضعية، وكذلك كان الحال بالنسبة إلى عرضها وتقبلها في تخصص العلاقات الدولية حتى إنها أصبحت بمنزلة مرادف للعلم. وهذه خطوة مؤسفة لأنها غلق بالنتيجة جميع الحوارات المتعلقة بتحديد اي نوع من العلوم يمكن أن يكونه تخصص العلاقات الدولية؛ فإذا كان تخصص العلاقات الدولية سيصبح علما، يجب أن تم قولبته على مبادئ الوضعية. |
تقترح الوضعية أن المعرفة العلمية لا تنبثق إلا من خلال جمع بيانات يمكن مشاهدتها ورصدها]. وقد كان مفترضا أن تقود عملية جمع القدر الكافي
عند اي نوعه
" فإذا كان
و فولته على
78
من البيانات إلى التعرف إلى أنماط تتيح بدورها صوغ قوانين عامة. ومهما أكدنا أهمية البيانات القابلة للمشاهدة بالنسبة إلى هذه المقاربة، فإننا لن نفيها حقها، وقد نقشت عبارة على واجهة مبنى البحث العلمي الاجتماعي في جامعة شيكاغو، كتب فيها: «إن لم تستطع قياسها، فإن معرفتك ركيكة وغير مرضية. وهذا التأكيد بالبيانات القابلة للمشاهدة، وبالقياس، قد قاد مؤيدي النموذج العلمي الجديد إلى الاشتباك في سلسلة من الانتقادات اللاذعة حول التصورات المتعلقة بالعلوم والتي يؤيدها عديد من الواقعيين والباحثين الأكاديميين الآخرين في تخصص العلاقات الدولية، وقد ذ كثير من المفاهيم الأساسية الخاصة بالواقعية الكلاسيكية، أنه يفتقد إلى التحديد الدقيق، وأنه غير قابل للقياس، فلناخذ على سبيل المثال القوة والمصالح القومية، إذا كانت ستدرس وفقا لمبادئ العلم الجديد، فإنها تحتاج إلى مستويات متزايدة من الوضوح والخصائص المحددة؛ أي شيء لم يكن في الإمكان قياسه بصرامة وإخضاعه للاختبار، كان يجب تطهير الأنطولوجيا الجديدة منه. وقد تم تطوير منهجيات
جديدة، واحتلت النمذجة الرياضية للإجراءات الدولية مركز الصدارة. وأعرب السلوكيون عن أمله في أن يجري تقدم في المعرفة يتبعه إمكان التحكم في الظواهر القابلة للدراسة، من خلال العملية الصارمة في تجميع البيانات.
لم يمر نقد السلوكيين للمنهج التقليدي من دون اعتراض. فقد جادل كثيرون بأن المفاهيم الأساسية للتخصص لم تكن سريعة التأثر بهذا النوع من الإجراءات الصارمة في جمع البيانات والتي دعا إليها النموذج الجديد للعلوم. وكان من أبرز هؤلاء عالم النظرية الذي ينتمي إلى المدرسة الإنكليزية هيدلي بل (Hedley Bull)، لكن كان من ضمن التقليدين أيضا بعض من المدافعين الأساسيين عن العلم في تخصص العلاقات الدولية أمثال مورغنتاو"). اعتبر هؤلاء المنظرون أن التحقيق العلمي النظامي شيء وأن سيطرة هاجس جمع البيانات ومعالجتها على خطى الوضعيين شيء آخر. وقد تضمنت دراسات كل من بل ومورغنتاو في تخصص العلاقات الدولية، إصدار أحكام مفاهيمية
(8) انظر: Ka E
Knon md James N , Rosman , eds . Contending Approaches no International
Poliri (Hincelon, NJ; Princeton University Press, 1969).
وتأويلية مهمة، وهو شيء، على ما يبدو، لم بلحظه المنظرون السلوكيون بدقة في تركيزهم على جمع البيانات بطريقة نظامية والاستدلال العلمي. وقد أبرز الخلاف حول العلم جاتبا أو بعدا جغرافيا. فعلى الرغم من وجود بعض المؤيدين للعلم الجديد في بريطانيا وأوروبا، إلا أن الريادة في هذا التطور كانت في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من حقيقة أن الشكل الصارم للعلوم والذي ايده السلوكيون قد قل تأثيره بشكل كبير مع مرور الوقت، بقيت المبادئ التي تشكل أساسا لهذا المنهج متأصلة ضمن تصورات العلم التي ما زالت تحكم التخصص، وكان يراد أيضا أن يكون لها تأثير دائم على الأساليب المنهجية التي درس في كليات الدراسات العليا وجامعاتها، بحيث يصبح اختبار الفرضيات (hypothesis testing) والتحليل الإحصائي، ومعالجة البيانات، متطلبات لا يمكن الاستغناء عنها في أي تدريب أو تدريس منهجي.
العلم والحوار بين النماذج المعيارية
في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين قام ما يسمى بالحوار بين النماذج [كالواقعية والماركسية والتعددية ... إلخ) ظاهريا بإبعاد تخصص العلاقات الدولية بعيدا من القضايا والمنهجية الخاصة بعقد الستينيات. ولم تكن مسألة العلم مكونا واضحا لهذا الحوار لأن إجماعا حول الالتزام بالوضعية كان قد برز بدرجة كبيرة. في الواقع، يمكن المجادلة هنا بأنه لم يكن لهذا الحوار أن يأخذ الشكل الذي اتخذه إلا نتيجة لالتزامه المشترك والعام بمبادي العلم. وقد تبلت جميع أطراف الحوار بين النماذج المعيارية صحة تصورات الوضعية الواسعة للعلم، ومن دون شك، فإن هذا الهوس بجمع البيانات، والإصرار على القياس، واختبار الفرضيات، والتحليل الإحصائي للسلوکين الأوائل، قد تم تعديلها والتخفيف من حدتها، ومع ذلك لم يحاول أحد بجدية أن يجادل في أن هذه لم تكن جوانب مهمة في دراسة الظواهر الدولية. لكن على الرغم من الإجماع حول العلم، سرعان ما ظهرت قضايا تحبط بطبيعة التحقيق العلمي، وتحديدا مشكلة الاختيار من بين النظريات، والزعم المتمثل في عدم قابلية المفاضلة (incommensurability) للرؤي النظرية المتضاربة.
يرجع الفضل في معظم هذا إلى الدراسة الرائدة التي قام بها توماس کون (Thomas Kuhn) عن تاريخ العلوم. وكان كون قد ناقش بأن العلم قد تطور خلال مرحلتين واضحتين. في مرحلته الثورية (revolutionary) كان العلم ينميز بالتجزيئية في النواحي النظرية، وكانت تظهر أنماط جديدة من الفكر تتحدى طرائق التفكير التقليدية. وعلى الرغم من أن المرحلة الثورية أكدت أن الابتكار في النظريات كان دائما ممكنا، إلا أن كون جادل بأن مثل هذه المرحلة لم تقد إلى تطور من حيث هيكل المعارف التراكمية. في أي مرحلة ثورية يبذل المؤيدون النظريون جهدهم في محاولتهم لأن يحظوا بسيطرة نظريتهم، على حساب زيادة مخزون المعرفة الكلي الذي يحيط بمجال الموضوع. كما جادل کون بانه لا يمكن أن تتقدم المعرفة إلا في فترات سماها فترات العلم العادي (normal science) (وهي المرحلة الثانية. في حقبة العلم العادي، تسيطر على المشهد واحدة من المدارس النظرية، التي أطلق عليها كون مصطلح برادايم (paradigm) (أي النموذج المعياري للسلوك والأداء]. ومن الممكن أن تقدم المعرفة في هذه الفترات لأن الجميع متفقون على صلاحية النموذج الذي تم اختياره، وبذلك فإن الأغلبية العظمى من الباحثين الأكاديميين تعمل ضمن موضوع معين مستخدمة طرائق وأساليب متفقا عليها، وفي إمكانهم مقارنة ما توصلوا إليه من نتائج.
ولقد تبني التخصص نموذج كون في التطور العلمي بحماسة كبيرة. ومنذ نشأته، حاول التخصص تطوير هيكل من المعارف التراكمية التي تحيط بالعمليات الدولية. لكن بعد عقود من الدراسة، لا يزال هناك اتفاق قليل حول القضايا الرئيسة، وعلى الرغم من الخلافات بينهم، إلا أن الواقعيين والسلوكيين اقترحوا أنه لا يمكن تحقيق التقدم إلا من خلال تبني أسلوب دراسي أكثر علمية. أما نموذج کون فقد اقترح استنتاجا مختلفا وأكثر تحفظا: إن التخصص في حاجة إلى تبني نموذج معياري واحد للسلوك والأداء يمكن أن تلتقي الأبحاث حوله. في أواسط السبعينيات تنافست ثلاثة نماذج معيارية للسلوك والأداء على السيطرة النظرياتية، وتلك هي الواقعية، والماركسية، والتعددية. وقد تركز السؤال حول كيفية المقارنة بينها: أي النماذج المعيارية للسلوك والأداء هي التي ينبغي للتخصص أن يتبناها من أجل أن يتقدم إلى الأمام؟ لم يقدم كون أي إجابات. لكنه في الواقع اقترح بأن ليس هناك إجابة، وبان النماذج غير قابلة للمفاضلة (incommensurable)، أي إنها وبكل بساطة لا يمكن مقارنتها بتفاضلية ما، وقد أصبحت مسألة الاختيار من بين النظريات، إلى حد بعيد، مسألة ذائقة، أو كما كان يطلق عليها أحد قاد کون سيكولوجية الغوغائية (10)
(mob psychology)
من المثير للسخرية أنه على الرغم من أن الحوار بين النماذج المعيارية للسلوك والأداء لم يشتمل بشكل مباشر على النزاعات حول طبيعة العلوم، إلا أن حقبة تطور التخصص هي الحقبة التي بدأت فيها فلسفة العلوم بممارسة دور جوهري وصريح. إن الطبيعة المحافظة النموذج کون، وحقيقة أن الاختيار من بين النظريات قد أصبح أمرا متعلقا بالذائقة، كانتا كفيلتين بأن يفتش بعض الباحثين الأكاديميين عن أبدال. وأصبح کارل بوبر ذا تأثير مهم)، لكن اجتلاب نموذج إمري لاكاتوس حول البرامج البحثية (12)، هو الذي كان له التأثير الأكبر، ونموذجه هذا هو الذي يتم تبنيه بشكل واسع من التيار «الوضعيه ذي التوجه الأكثر علمية.
مصادر و المراجع :
١- نظرية العلاقات الدولية
المؤلف: تيم دان، ميليا كوركي، وستيف سميث
المترجم: ديما الخضرا
الناشر: المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات - بيروت
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: كانون الثاني - يناير 2016
تعليقات (0)