يعترف الواقعيون البنيويون بأن الدول بمكنها الدخول في حرب لواحد من أسباب عدة، ما يجعل من الاستحالة بمكان وضع نظرية بسيطة تشير إلى عامل واحد في كونه المسبب الرئيس للحرب. ولا يوجد شك في أن الدول تشن الحروب أحيانا لتحقق سلطة على دولة منافسة وتعزز أمنها تاليا. لكن الأمن ليس دائما القوة المحركة وراء قرار الدولة في إشعال حرب. ففي بعض الأحيان، تكون الأيديولوجية أو الاعتبارات الاقتصادية أكثر أهمية من الأمن. فعلى سبيل المثال، كانت القومية هي السبب الرئيس الذي دفع بسمارك إلى شن حروب ضد الدانمارك (1864)، والنمسا (1866)، وفرنسا (1870 - 1871). فقد أراد القائد البروسي أن يشكل ألمانيا موحدة. |
إن الحروب التي تنطلق يغلب عليها أن تكون مدفوعة بدوافع غير أمنية تتوافق مع الواقعية البنيوية طالما أن المعتدي لا يقصد التصرف بطرائق تؤدي إلى إلحاق الضرر بمكانته في ميزان القوي. وفي الواقع، يؤدي النصر في الحرب في أغلب الأحيان إلى تحسين مكانة القوة النسبية للدولة، بغض النظر عن سبب إشعال النزاع. فقد كانت الدولة الألمانية التي نشأت بعد عام 1870 أقوى بكثير من الدولة البروسية التي قادها بسمارك في عام 1862.
وعلى الرغم من أن إفراد مسبب واحد معين للحروب جميعها ليس بالعمل المثمر، فإن الواقعيين البنيويين يؤكدون أن احتمال نشوب الحرب بتأثر بالتصميم البنيوي للنظام الدولي. ويجادل بعض الواقعيين بأن المتغير الرئيس هو عدد القوى العظمى أو الأقطاب في النظام، بينما يركز آخرون على توزيع القوة في ما بين الدول الرئيسة. وثمة مقاربة ثالثة تنظر إلى الكيفية التي تقوم من خلالها التغيرات في توزيع القوى بالتأثير في إمكان نشوب الحرب. أخيرا، يزعم بعض الواقعيين أن التباينات في ميزان الهجوم والدفاع لها التأثير الأكبر في احتمالات نشوب الحرب قطبية النظام
يدور نقاش منذ أمد بعيد في ما بين الواقعيين حول ما إذا كانت الثنائية القطبية (bipolarity) (وجود قوتين غظميين) أكثر عرضة أم أقل عرضة لوقوع
حرب من التعددية القطبية (multipolarity) (وجود ثلاث قوى عظمى أو أكثر). وهناك اتفاق عام على أن نظام الدول كان متعدد الأقطاب منذ بدايته في عام 1648 إلى حين انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945. فيما ساد نظام القطبين فقط خلال الحرب الباردة التي بدأت مباشرة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى عام 1989.
من السهل أن نفترض أن التاريخ الأوروبي في القرن العشرين يوضح إن كانت الثنائية القطبية أكثر سلمية من التعددية القطبية. فلقد نشبت حربان عالميتان في النصف الأول من ذلك القرن عندما كانت أوروبا متعددة الأقطاب، بينما لم تكن هناك حرب إطلاق نار بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي خلال النصف الأخير من ذلك القرن، حينما كان النظام يقتصر على
قطبين
مع ذلك، فإن هذا الجدال يدو أقل إقناعا عندما نوع الحقبة الزمنية التشمل القرن التاسع عشر. فلم تكن هناك أي حروب بين أتي من القوى العظمى الأوروبية منذ عام 1815 إلى عام 1853، وأيضا من عام 1971 إلى عام 1914، وفترات الاستقرار النسبي الطويلة تلك، والتي ظهرت في أوروبا متعددة الأقطاب، قارن إيجابيا ب «الحقبة السلمية الطويلة، للحرب الباردة لذلك، يصعب تحديد إن كانت القطبية الثنائية أم التعددية القطبية هي الأكثر قابلية لحروب القوى العظمى من خلال النظر إلى التاريخ الأوروبي الحديث.
لكن مؤيدي هذين المنظورين المتنافسين لا يعتمدون على التاريخ وحده الإثبات وجهة نظرهم، بل بوظفون أيضا الحجج النظرية، فالواقعيون الذين يعتقدون بأن ثنائية الأقطاب أقل قابلية للحروب قدمون ثلاث حجج تدعم اعتقادهم. اولا، يؤكد هؤلاء أن ثمة فرصا أكبر في أن تحارب القوى العظمي بعضها بعضا في التعددية القطبية. فهنالك قوتان اثنتان فقط في القطبية الثنائية، ما يعني أنه ليس هنالك إلا قوة عظمى واحدة في حال عدم وجود تعددية المحاورا مقابل لاشتباك محتمل واحد بينا زوج من القوى العظمى. في المقابل، يوجد في التعددية القطبية ثلاثة أزواج من الصراعات المحتملة عندما تكون هناك ثلاث قوى عظمى، وأكثر من ذلك كلما أخذ عدد القوى العظمي في الازدياد.
ثانيا، هناك ميل إلى وجود مساواة أكبر بين القوتين العظميين في الثنائية القطبية، لأنه كلما ازداد عدد القوى العظمى في النظام، زادت احتمالات عدم التكافؤ في ما بين القوى العظمي، في توزيع الثروة والسكان اللذين يعدان حجري الأساس للقوة العسكرية، وعندما يكون ثمة اختلال في موازين القوى، غالبا ما يكون لدى الأقوى فرص في استغلال الأضعف. علاوة على ذلك، يحتمل في النظام متعدد الأقطاب أن تتحالف قوتان أو أكثر في عصبة ضد قوة عظمي ثالثة. وهذا النوع من السلوك مستحيل في نظام القطبين كما هو واضح من اسمه.
ثالا، هناك احتمال أكبر لحدوث خطأ في التقدير في التعددية القطبية، وعادة ما يساهم سوء التقدير في اندلاع الحرب. في حين أن هناك وضوحا أكبر تحديدا في القطبية الثنائية بشان الأخطار المحتملة، وذلك لأنه لا يوجد سوى قوة عظمى أخرى واحدة فقط. وتركز هاتان الدولتان دوما إحداهما على الأخرى، ما يقلل احتمالات إساءة تقدير كل منهما لقدرات الأخرى أو نواياها. في المقابل، هنالك عدد من القوى العظمى في التعددية القطبية، وهي عادة ما تعمل في بيئة مائعة، يصعب فيها تمييز الأصدقاء من الخصوم، كما يصعب تحديد قوتهم النسبية.
ويقال أيضا عن عملية التوازن إنها أكثر كفاءة في الثنائية القطبية، إذ ليس لدى كل من القوى العظمي خيار سوى أن تواجه الأخرى مباشرة. ففي النهاية، ليس من قوى عظمى أخرى يمكنها أن تحدث التوازن أو أن تكون جزءا من تحالف موازن، وإضافة إلى ذلك، فعلى الرغم من إمكان أن تكون القوى الأقل قوة حليفة مفيدة، إلا أنه لا يمكنها أن تحدد التوازن الكلي للقوى. لكن في التعددية القطبية، عادة ما تشعر الدول المهددة بالرغبة في تمرير المسؤولية إلى الدول الأخرى المهددة. وعلى الرغم من أن تمرير المسؤولية استراتيجية مغرية، إلا أنها قد تقود إلى ظروف يعتقد فيها المعتدون بأنهم يستطيعون عزل خصمهم وإلحاق الهزيمة به، وبالطبع، قد نختار الدول المهددة ألا تمرر المسؤولية، وأن شکل بدلا من ذلك تحالفا توازنيا ضد الدولة المهددة. لكن تشكيل التحالفات عادة ما يكون عملية غير واضحة التائج؛ إذ قد يستنتج المعتدي أنه يستطيع تحقيق أهدافه قبل أن يتم كلا تشكيل التحالف المعارض. وهذه الديناميات غير موجودة في عالم الثنائية القطبية البسيط، حيث لا يوجد ما يقلق الخصمين سوى أحدهما للآخر.
في أي حال، ليس لدى جميع الواقعين قبول للزعم بأن الثنائية القطبية تساعد على السلام. فبعضهم يجادل بأن تعددية الأقطاب أقل عرضة للحروب. وفي وجهة النظر هذه، كلما كثرت القوى العظمي في النظام، تحسنت فرص إحلال السلام. وهذا التفاؤل مبني على اعتبارين اثنين: الأول، هو أن الردع (deterrence) أسهل بكثير في نظام التعددية القطبية، لأن هنالك عددا أكبر من الدول التي يمكن أن تتحالف معا لتواجه دولة شديدة العدوانية، وتملك قوة ساحقة. أما في الثنائية القطبية، فليس من شركاء آخرين ليقوموا بخلق التوازن. وقد تكون عملية الموازنة في التعددية القطبية غير فعالة أحيانا، لكن التحالف يتشكل في النهاية، وتم هزيمة المعتدي، كما هو الحال بالنسبة إلى كل من فرنسا النابليونية، وألمانيا الإمبريالية، والإمبراطورية اليابانية، وألمانيا النازية، اللواتي تعلمن الدرس من خلال تجاربهن القاسية.
الاعتبار الثاني هو أن العداء بين القوى العظمى في التعددية القطبية أقل بكثير لأن مقدار الاهتمام الذي يعطيه بعض القوى العظمى إلى بعضها الآخر أقل منه في الثنائية القطبية. ففي عالم يحتوي على قوتين عظميين اثنتين فقط، فإن كل واحدة منهما تركز انتباهها على الأخرى. لكن في التعددية القطبية، ليس في مقدور الدول أن تعطي اهتماما زائدا بأي واحدة من جاراتها، إذ عليها أن توزع انتباهها على القوى العظمي جمبعها. إضافة إلى ذلك، فإن التفاعلات العديدة بين الدول المختلفة في النظام متعدد الأقطاب تخلق عديدا من الانقسامات المتداخلة التي تخفف من حدة الصراع. وباختصار، يقلل التعقيد من احتمالات وقوع حرب بين القوى العظمي.
يجادل عدد من الواقعيين بأن الأحادية القطبية (unipolarity) لم تأت إلا مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي (2)، أي إن الولايات المتحدة الأميركية هي القوة العظمى الوحيدة، وقد حققت الهيمنة عالميا، وهي مأثرة الم تحققها أي دولة أخرى على الإطلاق. إلا أن ثمة من يجادل من الواقعيين بأن نظام ما بعد الحرب الباردة هو نظام متعدد الأقطاب وليس أحادي القطب. ويؤكدون أن الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الأقوى على وجه الأرض، لكن هناك قوى عظمى أخرى، كالصين وروسيا مثلا. و إذا كان النظام الدولي أحادي القطب، فما هي عواقب ذلك على الاستقرار الدولي؟ يرجح أن يكون عالم كهذا أكثر هدوءا واستقرارا من عالم ثنائي القطبية أو متعدد الأقطاب، والأهم من ذلك، هو أنه لا يمكن أن تحدث منافسة أمنية ولا حروب بين الدول العظمي في الأحادية القطبية، ذلك أنها لا تشتمل إلا على قوة عظمى وحيدة. وعلاوة على ذلك، يحتمل أن تقوم القوى الصغرى بما لا يلائمها كي تتجنب قتال القطب الأوحد. فانظر إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية الذي تحظى فيه الولايات المتحدة الأميركية بالهيمنة بشكل واضح، نجد أن لا دولة في تلك المنطقة ستبدأ الحرب طوعا مع الولايات المتحدة الأميركية لخوفها من الهزيمة السهلة والحاسمة التي ستلحق بها، وينطبق هذا المنطق ذاته على جميع مناطق العالم إذا ما نظرنا إلى الولايات المتحدة الأميركية على أنها مهين عالمي
هنالك تحذيران يرتبطان بهذا النوع من الحجج. فإذا ما شعرت القوة المهيمنة بالأمان في غياب قوى عظمى أخرى وسحبث معظم قواتها العسكرية إلى نطاقها الإقليمي الخاص، فمن المرجح أن تقوم منافسة أمنية أو حتى أن تندلع الحرب في الأقاليم التي تتركها، ذلك أنه لن يتبقى للقطب الوحيد حضور في تلك الأماكن حتى يحافظ على النظام فيها. ومن ناحية أخرى، قد تظن القوة المهيمنة بأن مكانتها المتفوقة تفتح لها بابا من الفرص کي تستخدم قوتها العسكرية الرهيبة في إعادة ترتيب السياسة (politics) في الأقاليم البعيدة منها. لكن القوة المهيمنة عالميا، والتي تمارس عملية هندسة اجتماعية واسعة النطاق على فوهة البندقية، سوف لن تساهم في إحلال السلام العالمي. مع هذا، فمن غير الممكن أن تقوم حرب بين القوى العظمي في الأحادية القطبية. قوي متوازنة أم غير متوازنة
بدلا من النظر إلى عدد القوى العظمى لتفسير اندلاع الحرب، يجادل بعض الواقعيين بأن المتغير التفسيري الرئيس هو مقدار القوة التي تتحكم بها كل واحدة من هذه القوي، إذ من الممكن أن تكون القوة موزعة بالتساوي تقريبا بين القوى العظمى، وعلى الرغم من أن يسب القوة بين جميع القوى العظمي تؤثر في احتمالات السلام، إلا أن النسبة الرئيسة هي تلك التي تكون بين الدولتين الأقوى في النظام. وإذا كانت ثمة فجوة من انعدام التوازن، فإن الدولة التي تقع في المرتبة الأولى هي القوة المتفوقة (الراجحة] (preponderant power)، وذلك ببساطة لأنها أقوى بكثير جدا من جميع القوى الأخرى). أما إذا كانت الفجوة صغيرة بين القوتين الأولى والثانية، يقال عندئذ إنه يوجد توازن تقريبي للقوى، حتى وإن لم تكن القوى موزعة بالتساوي بين القوى العظمى جميعها. فالنقطة الأساسية تكمن في عدم وجود فارق ملحوظ في القوة بين الدولتين الرائدتين.
يؤكد بعض الواقعيين أن وجود دولة قوية للغاية يساعد على إحلال السلام. وتذهب الحجة هذه إلى القول بأن القوة الراجحة ستشعر على الأغلب بالأمان كونها قوية كفاية مقارنة بمنافسيها، لذا ستكون لديها حاجة قليلة إلى
م تكن القوى موزعة بالتساوي بد انه يوجد توازن تقريبي
فالنقطة الأسا ل استخدام القوة من أجل تحسين مكانتها في ميزان القوى. علاوة على ذلك، فإنه من غير المحتمل أن تقوم أي من القرى العظمى الأخرى بافتعال قتال مع القوة الرائدة، لأن خسارتها ستكون أكيدة على الأغلب. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحرب بين القوى العظمى ذات القوة الأقل تبقى ممكنة، لأن توازن القوى بين أي انتين منها سيكون متساويا تقريبا ولو في بعض الأحيان، متبخا بذلك إمكان أن تغلب إحداهما الأخرى. لكن حتى في تلك الحالة، إذا كانت القوة المتفوقة تعتقد بأن هذا النوع من الحروب قد يخل بالنظام الدولي الإيجابي، فعليها أن تمتلك الوسائل لإيقافها، أو في الأقل لجعلها حوادث غير اعتيادية.
والحالة التاريخية التي يركز عليها مؤيدو هذا المنظور هي الحقبة ما بين هزيمة نابليون في عام 1815 واندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914. فلم تكن هناك سوى خمس حروب بين القوى العظمي خلال هذه الحقبة من الأعوام المئة (وذلك في ما بين عامي 1853 و 1856، وفي عام 1959، وعام 1866، وبين عامي 1870 و 1871، وبين عامي 1904 و 1905)، ولم تكن أي منها حربا مركزية كالصراعين اللذين طونا هذه الحقبة. ويقال عن هذه الحقبة الطويلة من الهدوء النسبي - والتي يطلق عليها أحيانا المصطلح اللاتيني Pax Britannica أي السلم البريطاني - إنها النتيجة الناجمة عن موقف بريطانيا القيادي والمسيطر في النظام الدولي. في المقابل، فإن السبب في وجود حروب مركزية قبل هذه الحقبة وبعدها هو أن فرنسا النابليونية والمانيا الإمبريالية، كانتا متساويتين تقريبا في القوة مع بريطانيا.
بتبني واقعيون آخرون وجهة النظر المغايرة فيجادلون بأن التفوق الرجوح يزيد من فرص وقوع الحرب. وفي الواقع فإن نشوب الحروب المركزية مرجح عندما تكون هنالك دولة قوية على نحو استثنائي في النظام. ووفقا لهذا المنظور، فإن القوة المتفوقة هي مهيمن محتمل، ذلك أنها تملك الوسائل التي تمكنها من محاولة تحقيق السيطرة على النظام العام، وهذه هي أفضل ضمانة للبقاء ضمن الفوضى الدولية. لذلك فإنها لن تكون راضية بالوضع الراهن، وإنما ستبحث عن فرص لتحقيق الهيمنة. وعندما يكون هناك تساو تقريبي بين القوى العظمي، لا يمكن عندئذ لأي دولة أن تحاول تحقيق الهيمنة بجدية، مستبعدة احتمال وقوع الحروب المركزية الفتاكة، ويبقى احتمال وقوع حروب بين القوى العظمي قائما، لكن حقيقة أن القوة تميل إلى أن تكون موزعة بالتساوي تقريبا تقلل الحوافز التي تدفع إلى افتعال معارك مع قوى عظمى أخرى.
بحاج مؤيدو وجهة النظر هذه بأن الحروب النابليونية كانت في أغلبها نتيجة لحقيقة أن فرنسا كانت مهيمنا محتملا في أواخر القرن الثامن عشر، وبأن الحربين العالميتين قد نشبتا لأن ألمانيا كانت ولمرتين خلال النصف الأول من القرن العشرين في موقف يسمح لها بأن تحاول تحقيق الهيمنة أوروبا، وبان
حقبة الهدوء النسبي الطويلة منذ عام 1815 وحتى عام 1914 لم تكن نتيجة للسلم البريطاني (Pax Britannica)، ذلك لأن بريطانيا لم تكن في ذلك الوقت قوة متفوقة. فلم يكن هنالك أصلا أي تحالف توازني قد شكل على الإطلاق ضد بريطانيا التي كانت القوى القارية الأوروبية بالكاد تخشاها، وإنما السبب في أن مدة طويلة من الهدوء السلمي سادت في أوروبا خلال حقبة المئة عام هذه هو وجود توازن قوي تقريبي في أوروبا متعددة الأقطاب، وبذلك فإن التعددية القطبية غير المتوازنة هي التي تزيد من احتمالات وقوع حرب بين القوى العظمي، وليس التعددية القطبية المتوازنة
تحولات القوى والحروب
يؤكد واقعبون آخرون أن التركيز على المؤشرات الثابتة كعدد القوي العظمى، أو مقدار القوة الذي تسيطر عليه كل واحدة من القوى العظمي، هو تمسك برأي خاطئ. ويزعمون أنه بدلا من ذلك، يجب أن يكون التركيز منصبا علي ديناميات ميزان القوى، خصوصا على التغييرات البارزة التي تطرأ على توزيع القوى 19)، وقد تكون أفضل محاجة غرفت في هذا الاتجاه الفكري هي أن القوة المتفرقة عندما واجه بمنافس صاعد، فإن ذلك يخلق وفقا خطرا للغاية، لأن ذلك غالبا ما يؤدي إلى حرب مركزية. ولأن الدولة المسيطرة تعرف أن أيامها في قمة القوة معدودة، فإن لديها دوافع قوية لشن حرب وقائية ضد المنافس حتى توقف صعوده. وبالطبع، فإن على الدولة متراجعة القوة أن تتصرف بينما هي لا تزال تحظى بتميزها الواضح في القرى على منافسها الصاعد. ويجادل بعض الباحثين الأكاديميين بأنه يرجح ضمن هذا السيناريو أن تقوم القوة الصاعدة بالشروع في الحرب. لكن هذا الجدال ليس مقنعا، لأن الوقت هو في مصلحة القوة الصاعدة التي هي ليست في حاجة إلى حرب من أجل اللحاق بالدولة الرائدة وتجاوزها.
ويقال إن أصول الحربين العالميتين توضح هذا الجدال. فقد كانت ألمانيا هي القوة المسيطرة في أوروبا قبيل هذين الصراعين، لكنها في كل مرة كانت تواجه منافا صاعدا شرف حدودها، وهو روسيا قبل عام 1914، والاتحاد السوفياتي قبل عام 1939، ولمنع انحدارها، وكي تحافظ على مكانتها القيادية في ميزان القوي الأوروبي، شئت ألمانيا حروبا وقائية في عامي 1914 و 1939، تحولت كلتاهما إلى حروب مرکزية مدمرة.
ميزان الهجوم والدفاع
كما أشرنا سابقا، فإن بعض الواقعيين الدفاعيين يجادلون بأن هنالك ميزان هجوم ودفاع هو دائما تقريبا في مصلحة الدفاع، لذلك فهو يعمل على التخفيف من حدة المنافسة الأمنية. ومن هذا المنطلق، فإن ذلك الميزان هو قوة دافعة باتجاه السلام، إلا أن بعض الواقعيين الدفاعيين، في أي حال، بسمحون باحتمال وجود تباين كبير في التوازن بين الدفاع والهجوم، ويجادلون بأنه يحتمل أن تؤدي ميزة الهجوم إلى وقوع حرب، بينما تساعد ميزة السيطرة الدفاعية على إحلال السلام. فعلى سبيل المثال، وقعت الحرب العالمية الثانية لأنه عندما تم إدماج الدبابات وطائرات الانقضاض القاذفة للقنابل dive) (bombers في مبدأ الحرب الخاطفة (blitzkrieg doctrine)، فإن ذلك قد حول ميزان الهجوم والدفاع بشكل ملحوظ ليصبح لمصلحة الهجوم. من ناحية أخرى، لم تنشب حروب قتالية بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، ذلك أن مجيء الأسلحة النووية قد حول الميزان بشكل كبير المصلحة الدفاع.
خلاصة القول، تحاول مجموعة متنوعة من الجدالات البنيوية تفسير مني يزداد احتمال وقوع حرب بين القوى العظمى أو يقل. ولكل منها منطقة السببي الكامن والمختلف، وكل منها ينظر إلى السجل التاريخي بطريقة مختلفة.
مصادر و المراجع :
١- نظرية العلاقات الدولية
المؤلف: تيم دان، ميليا كوركي، وستيف سميث
المترجم: ديما الخضرا
الناشر: المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات - بيروت
الطبعة: الأولى
تاريخ النشر: كانون الثاني - يناير 2016
تعليقات (0)