المنشورات

المادية التاريخية وأهداف النظرية النقدية

حيث إنه قد يكون من غير الممكن أن نعطي تعريفا بسيطا ومباشرا للماركسية بشتمل ببساطة على جميع أشكالها المتباينة وتياراتها المتشعبة، هنالك قاسم أساس مشترك وهو الرغبة في إعطاء تأويل نقدي للرأسمالية التي فهم بكونها شكلا من أشكال الحياة الاجتماعية الذي تم إنتاجه عبر التاريخ - وبذلك فهي متغيرة - بدلا من كونها تعبيرا حتميا عن طبيعة بشرية جوهرية معينة. وعندما يتم النظر إلى الطرائق التي نعيش فيها حياتنا، وإلى ما نحن عليه بوصفنا أشخاصا، وإلى علاقاتنا الاجتماعية، ورؤية جميع هذه الأمور باعتبارها مجات اجتماعية تاريخية، يبرز السؤال الحاسم حول ما إذا كان في إمكاننا أن ننظم أنفسنا بشكل مختلف، وعن كيفية قيامنا بذلك. وبالنظر إلى السياق الاجتماعي المحدد تاريخيا الذي نجد أنفسنا فيه، تتساءل عما إذا كانت هناك ضغوط باتجاه التغيير أو احتمالات لحدوث تغيير قد تمكننا من إنتاج عالم ممكن في المستقبل، مختلف، وأكثر إنصافا وديمقراطية بطريقة يمكن تصورها؟ إلا أنه وقبل أن يتم طرح أي أسئلة من هذا النوع، من الضروري أن تلقي بعض الثقل النقدي على وجهة النظر السائدة في أن الحياة الاجتماعية في المجتمع المبني على أساس السلعة هي نتاج ضروري للتمات الطبيعية لأفراد البشر.
وخلافا لرؤية آدم سميث وكثير من الليبراليين إلى العالم الذي يتكون من الأفراد الذين يسعون إلى تحقيق مصالحهم الذاتية، والمهيئين طبيعيا لعقد الصفقات التجارية (انظر الفصلين الخامس والسادس)، قدم مارکس رؤية علائقية للبشر ذات منحي عملياتي (relational and processoriented). في هذه الرؤية، ينظر إلى البشر على ما هم عليه ليس لأن افتراض أنهم يسعون إلى مصلحتهم الذاتية هو أمر متأصل فيهم، وإنما بحكم العلاقات التي يعيشون حياتهم من خلالها، وقد اقترح مارکس تحديدا أن البشر يعيشون حياتهم على تقاطع من علاقة ذات أطراف ثلاثة تضم العالم الطبيعي، والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية، والأشخاص من البشر. وتفهم هذه العلاقات بأنها عضوية (organic) [تتفاعل أطرافها ويؤثر كل منها في الأخرى]؛ أي إن كل عنصر في العلاقة هو مثلما هو عليه بحكم مكانه في العلاقة، ولا يمكن فهم أي من العلاقات بمعزل عن ذلك السياق. وطالما أن البشر کائنات مادية، فعلينا إذا أن نشترك في شكل من أشكال التفاعل التبادلي المثمر مع العالم الطبيعي من أجل أن نضمن بقاءنا. وطالما أننا كائنات اجتماعية، سيكون هذا النشاط المثمر منظما بطريقة اجتماعية، مشتملا بالضرورة على التفكير، والحديث، والتخطيط مقا. وفي أثناء هذه العملية المنتجة اجتماعيا، أعتقد مارکس أن البشر يعيدون صناعة عالمهم باستمرار (بيلا جانبية الطبيعي والاجتماعي)، ويعيدون صناعة أنفسهم باستمرار. فإذا كان يبدو أن البشر المعاصرين يتصرفون وكأنهم أفراد يسعون إلى مصلحتهم الذاتية، فذلك ليس نتيجة لطبيعتنا الجوهرية، وإنما هو نتيجة للطرائق المحددة التي أنتجنا فيها أنفسنا وحباتنا الاجتماعية. وفي هذا الخصوص، قد يكون البشر قادرين جماعيا على إعادة خلق عالمهم، وعملهم، وأنفسهم بطرائق جديدة وأفضل، لكن ذلك لا يتم إلا إذا فكرنا بطريقة نقدية بشأن تلك العلاقات الاجتماعية الغربية تاريخيا وتصرفنا بطريقة عملية لنغير تلك العلاقات التي تشجعنا على التفكير والتصرف كأفراد مجردين اجتماعيا من التمكين، ومدفوعين بدافع المصلحة الذاتية الضيقة.
معنى الجدلية: العلاقات الاجتماعية في مسارها العملي
إن هذا المنظور للحياة الاجتماعية البشرية في كونها علاقات في عملية متحركة (relations in process) يشكل جوهر مفهوم ماركس في الفهم الجدلي للتاريخ (dialectical understanding of history [الجدلية التاريخية: فالبشر کائنات تاريخية، وهم مع بعضهم منتجون للعمليات التاريخية، ونتاج لها. وفي أحد أقواله الماثورة الشهيرة على وجه حق، لخص مارکس رؤيته للتاريخ بالتعبيرات التالية: «بصنع الرجال التاريخ الخاص بهم، لكنهم لا يصنعونه تماما كما يشاؤون، ولا يصنعونه تحت ظروف اختاروها هم بأنفسهم، وإنما تحت ظروف واجهوها مباشرة، وأعطيت لهم، وانتقلت إليهم من الماضي».
توصف هذه الحالة أحيانا بأنها جدلية الوكلاء والهياكل. فالوكلاء (agents) فاعلون اجتماعيون، متموضعون في سياق هياكل او علاقات اجتماعية ثابتة نسبيا، وغالبا ما تكون مضئنة في مؤسسات. وتولد الهياكل إمكان وجود انواع معينة من الهوية الاجتماعية مع ما يتوافق معها من أفعال (أي الأدوار التي قد يؤديها هؤلاء الفاعلون في سياق تلك الهياكل). غير أن الهياكل ليست في حد إن إطار مارکس الجدلي [الديالكتيكيا للعلاقات باعتباره عملية متحركة له ايضا مضامين مهمة للطرائق التي نفكر بها حول السياسة (politics)، والحرية، وانعدام الحرية. وفهم السياسة تقليديا من حيث العمليات السلطوية للحكم
استنادا إلى الاحتكار الرسمي لوسائل الإكراه)، أو من حيث التحصيص السلطوي للقيم (من يحصل على ماذا ... إلخ). وبحسب مارکس، فإن تلك الطرائق في فهم السياسة تبدو محدودة ومحددة بشكل صارخ. وفي سياق النظرة الجدلية الديالكتيكية إلى التاريخ، تبدو السياسة صراعا على عمليات الإنتاج الذاتي الاجتماعي، وقدرة على توجيه تلك العمليات في اتجاه معين او آخر، وتاليا، قدرة على تشكيل نوع العالم الذي سنعيش فيه وما سنكون عليه من أشخاص في ذلك العالم. باختصار، فإن السياسة تهتم بالعوالم المستقبلية الممكنة. ويمكن تبعا لذلك أن تفهم الحرية في إطار التقرير الذاتي الاجتماعي؛ أي قدرتنا الجماعية على تشكيل أنفسنا وعالمنا. وهذا مفهوم توسعي للحرية، أوسع بكثير من الفهم الليبرالي التقليدي للحرية بوصفها اختيارا فرديا ولديه إمكان أكبر منه في التمكين (وغالبا ما يعبر عن الاختيار الفردي في مفهوم السوق عندما يتمتع الموضوع الذي يتعلق به الاختيار باعلى درجة من الإشباع الحاجات الفرد ورغباته الخاصة). واستنادا إلى المقاربة الديالكتيكية لفهم التاريخ التي تتضمن فهمها التوسعي للسياسة والتاريخ، طور مارکس نقدا للحياة الاجتماعية الرأسمالية يتسم بالقوة والدلالة.
مارکس ونقد الرأسمالية
كان مارکس أحد أكثر الناقدين حدة لشكل حديث فريد من أشكال الحياة الاجتماعية، ألا وهو الرأسمالية. بالنسبة إلى مارکس، كان لا بد من عدم الخلط بين الرأسمالية والأسواق، أو بينها وبين التبادل؛ فالأسواق والتبادل سبقتا الرأسمالية بزمن طويل، إنما الرأسمالية مثلت شكلا من أشكال الحياة الاجتماعية الذي تم فيه المبالغة في التسليع لتحويل كل شيء إلى سلعة قابلة للبيع والشراء] (commodification)، إلى حد أن العمالة ذاتها بيعت واشتريت في السوق. ومن الرؤى المركزية الماركس رؤيته أن هذا الموقف قد افترض  مسبقا تطور قوي وعلاقات محددة تاريخيا مبنية على أساس طبقي؛ بحيث إن نمو رأس المال المصاحب - وهو وسيلة الإنتاج الضرورية اجتماعيا للإنتاج، والتي قد أعيد تشكيلها لتصبح الملكية الخاصة الحصرية للقلة - والعمالة الماجورة ند اصبحا النشاط الإجباري للكثرة. وأصبح المتجون المباشرون في ظل العلاقات الطبقية في الرأسمالية غير مرتبطين شخصيا بالجهة التي تستغلهم، خلافا لما كان عليه العبيد المربوطون بأسيادهم وخلافا لما كان عليه الأفنان في الإقطاعية صاغرين في أرض أسياد الأرض التي يعملون عليها. إذا فالرأسمالية بالمعنى التاريخي الصحيح نعطي الحرية للعمال في أن يتعاملوا مع عملهم وكأنه ملكهم الخاص. لكن على أي حال، فإن هذه الحرية بكملها نوع رأسمالي فريد من انعدام الحرية (unfreedom). وبالدرجة التي تصبح فيها وسائل الإنتاج ضمن ملكية وسيطرة طبقة من المالكين، يصبح العمال مرغمين على بيع عملهم إلى أفراد من هذه الطبقة المالكة ليتمكنوا من التوصل إلى وسائل الإنتاج تلك، والانخراط في نشاط متج اجتماعيا، وتأمين الاحتياجات المادية الضرورية لبقائهم على قيد الحياة من خلال أجورهم.
تمحور نقد مارکس للرأسمالية حول ادعائه، وهو ادعاء جلي ضمن سياق نظريته الجدلية في الإنتاج الذاتي الاجتماعي، بأن الرأسمالية تتضمن في آن واحد أشكالا فريدة تاريخيا من حرية البشر وعدم حريتهم، وتمكينهم وعدم تمكينهم. وقد اعتقد مارکس أنه على الرغم من أن الرأسمالية تنمي القدرة الإنتاجية للمجتمعات الإنسانية إلى مستويات عليا لم يسبق لها مثيل عبر التاريخ، فإنها تحقق ذلك من خلال طرائق هي أيضا استغلالية وغير ديمقراطية وتفقد العمال قوتهم.
والرأسمالية فقد العمال تمكينهم من حيث إن هذه الطريقة في تنظيم الحياة الاجتماعية شؤه الإمكانات التاريخية الحقيقية للتقرير الذاتي الاجتماعي وتطمسها، وعلى الرغم من أنه في ظل الرأسمالية يتم تمكين الناس بطريقة لم يسبق لها مثيل من أجل أن يعيدوا صناعة عالمهم وأنفسهم، فإنهم في الوقت نفسه يمنعون من تحقيق المضامين الكاملة لقواهم المنتجة اجتماعيا ويمنعون من الحصول على الأشكال الأكمل من الحريات التي قد تجعلها تلك القوى ممكنة. وضمن سياق التسليع الرأسمالي والأيديولوجية التي يدعمها، تتخذ أشكال محددة تاريخيا من التنظيم والنشاط الاجتماعي مظاهر الظروف الموضوعية، والضرورية، والطبيعية، والكونية. وقد أطلق مارکس على هذا النوع من التغليف الضبابي المفقد للتمكين تعبير الاغترابه (alienation) أو «الإشباع الوهمي للحاجاته (fetishism). وبالمقدار الذي تتضمن هذه المظاهر استخلاص عناصر معينة من العلاقات التي تتكون من خلالها، وتقديمها على أنها كيانات ذاتية الوجود (self - subsistent) (ذاتية العيش ومشكلة مسبقا، بفهم هذا التغليف الضبابي العقائدي نوعا من البلورة المادية للمحسوس، أو عملية دمج المجردات بالحقيقة، فمثلا، إن الممارسات التي قد ينظر إليها باعتبارها سياقات مخصصة السياق تاريخي أو اجتماعي معين (والتي تكون لديها تاليا القابلية للتغيير مع تغير البيئة أو السياق، قد تصبح بدلا من ذلك مائلة بقوة في هذا النوع من الأفراد. وهكذا فإن السلوك المدفوع بدافع المصلحة الشخصية الذي لاحظه آدم سميث بين منتجي القطاع الخاص في سياق مجتمع سلعي، يقدم بكونه سمة بشرية كونية العالمية] (universal)، أو «ميلا طبيعيا إلى شحن البضائع، ومقابضتها، وتبادلها» (1). يضاف إلى ذلك أننا بمقدار ما نرى أنفسنا أفرادا معزولين، فإننا نواجه بيتنا الاجتماعية لا بوصفها منتجنا الاجتماعي الجماعي، بل بوصفها قيدا موضوعيا على اختياراتنا الفردية، وتصبح الحياة الاجتماعية شيئا يحدث لنا، وليست طريقة جماعية تكون فيها في هذا العالم. وهذا مثال على استبصار نقدي قوي مشتق من النظرية الماركسية؛ فإلى المدى الذي يفهم الناس العلاقات الاجتماعية القائمة أنها طبيعية، وضرورية، وعالمية، فإنهم ممنوعون من البحث عن احتمالات تحويلية، وممنوعون من تخيل الإنتاج الاجتماعي للعوالم البديلة الممكنة. وباختصار، قد يتخلى الناس عن قراهم الجماعية في الإنتاج الذاتي الاجتماعي. فمن السخرية أن نجد أن التقدم غير المسبوق للطاقة الإنتاجية في ظل الرأسمالية متلازم تاريخيا مع تجريد المنتجين الجماعيين البشر من التمكين. 

أما الخط الماركسي الثاني في نقد الرأسمالية فهو أنها استغلالية. إن نظرية الاستغلال، والتي غالبا ما كانت تصاغ باللغة المبهمة لنظرية القيمة في ما يخص العمل البشري، والتي تبناها مارکس لغاية تعاطيه نقديا مع الاقتصاد السياسي الكلاسيکي، هي موضوع معقد ومثار جدله)، ولكنها قد تصبح أقرب إلى الفهم إذا تم التعبير عنها بوصفها مثالا لفقدان الحرية المؤدي إلى فقدان التمكين المشار إليه آنفا، فرأس المال، من وجهة نظر مارکس، هو نتيجة للنشاط المنتج اجتماعيا، أي إن رأس المال هو خلق للقيمة من جانب العمالة. وإذا نظرنا إلى رأس المال على أنه شيء، فهو ليس له قوى إنتاجية في ذاته. لكن إذا ما نظر إلى رأس المال على أنه علاقة اجتماعية، لا بصبح رأس المال متيجا إلا بوصفه تراكما القوة عمالية بذلت سابقا، وتم تحريكها من جانب طاقة عمالية مبذولة حديئا. مع ذلك، ولأن الرأسمالية تتصف بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فإن الرأسمالي، باعتباره مالکا، يتحكم في عمليات الإنتاج ويصادر ناتجها، وهو القيمة الفائضة (surplus value) التي خلقتها العمالة (أي هو ناتج العمل الذي هو زائد عما هو مطلوب لبقاء العمال أنفسهم)؛ أي إن عملية العمل المنظم اجتماعيا ومنتج ذلك العمل يخضعان للملكية الخاصة ومتضمنان في تراكم رأس المال.
بالطبع، فإن قدرة الراسماليين على التحكم في عملية الإنتاج ومصادرة ناتجها، تعتمد على النجاح في إعادة إنتاج قواهم المبنية على الطبقة، وعلى عزل تلك القوى عن أشكال اتخاذ القرار الأكثر ديمقراطية وجماعية. تاليا، فإن الخط الثالث من النقد الماركسي للرأسمالية يبرز الدرجة التي تخلق بها الرأسمالية قوى اجتماعية خاصة (private social powers متموضعة في محيط اقتصادي، منفصل في الحياة الاجتماعية، يكون خارج نطاق التحاور السياسي العام والصريح، وخارج حدود معايير المساءلة الديمقراطية المعلنة. وربما أن أفضل طريقة إلى فهم ذلك هي في إطار مقارنة تاريخية. فطرائق الإنتاج التي سبقت الرأسمالية كالإقطاعية مثلا فقد تضمنت المصادرة القهرية المباشرة لفائف العمل من جانب الطبقة المسيطرة، وهي طبقة النبلاء مالكي الأرض الذين كانت قوتهم اقتصادية وسياسية في آن. وإذا لم يتمكن القن
العبد من توفير فائض العمل لسيده [اللوردا، فإن ما يعنيه ذلك من الناحية الاجتماعية لم يكن مجرد فشل لصفقة وحيدة، وإنما اعتبر تحديا مباشرا للنظام السياسي - الاقتصادي الذي استندت إليه المكانة الاجتماعية للسيد النبيل. وإن كانت ردة فعل رب العمل السيد على ذلك هي من خلال توظيفه للقوة القهرية المتاحة له، فإن ذلك لم يعد إجراء غير عادي في سياق اجتماعي تم فيه إدماج الجوانب الاقتصادية والسياسية للحياة الاجتماعية بهذه الطريقة.
في أي حال، فمن غير المألوف نسبيا (مع أنه بالتأكيد ليس شيئا لم يسمع به) في سياق رأسمالي حديث، أن يستعمل أصحاب العمل القوة القهرية المباشرة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من استخراجهم لفائض العمل. وبدلا من ذلك، يجبر العمال على أن يعملوا، وأن يخضعوا لتحكم الرأسماليين في مكان العمل، وذلك من طريق مائسميه مارکس ب «الإكراه المخفف للحياة الاقتصادية» dull compulsion) (of economic life، أي المتطلبات اليومية التي لا تزحم لجني ما يكفي من المال الدفع أجرة البيت وتوفير المأكل. وإن التدخل المباشر للسلطة السياسية المعرفة رسميا والقوة القهرية المباشرة ضمن مكان العمل الرأسمالي هما الاستثناء وليسا القاعدة. فالقوى الاجتماعية للمستثمرين وأصحاب العمل الرأسماليين كامنة ومخفية في هذا المجال الاقتصادي المجرد من السياسة والمخصخص، وهي قوى لا تفهم بانها قوى سياسية أصيلة، بل بأنها امتيازات فردية مصاحبة لملكية الممتلكات الخاصة. وبما أن هذه القوى لحقوق التصرف فهم باعتبارها من خواص الملكية الخاصة، فإنها تجعل غير قابلة للمساءلة ديمقراطيا (إذ ليس من شأن أحد في أي حال أن يتدخل في ما يفعله كل منا في ملكيته الخاصة به). علاوة على ذلك، وبسبب اعتماد الدولة الهيكلي على الاستثمار الخاص، فإن الحكومة مجبرة واقعيا على أن تخدم المصلحة بعيدة المدى للطبقة الرأسمالية
وليس بالضرورة ما يتواءم مع الرأسماليين كأفراد). وعدم تمكن الحكومات من خلق الظروف السياسية التي يرى الرأسماليون أنها مناخ صديق للأعمال، سوف يؤدي إلى أن يرسل المستثمرون الرأسماليون رؤوس أموالهم إلى مكان آخر تتوافر فيه مكاسب أكبر، تاركين الحكومة متربعة على أزمة اقتصادية قد تكون كارثية سياسيا إلى حد كبير لشاغلي الوظائف الحكومية، وبقدر ما يكون السياسيون من الأحزاب الرئيسة كافة مدركين لهذا الاعتماد البنيوي على عملية الحفاظ على مناخ صديق للأعمال، سني بالنتيجة مجال واسع من توجهات السياسات الممكنة (أي تلك السياسات التي فهم على أنها تهديد لربحية الاستثمار الخاص). وإن قوة الفيتو الضمنية هذه على السياسة العامة هي، بعد معني آخر حاج الماركسيون فيه بأن الرأسمالية غير ديمقراطية.
إدا، فالرأسمالية تقوم بفعالية من خلال هذه الطرائق بخصخصة تجعلها ملكية خاصة القوى الاجتماعية للمستثمرين وأصحاب الأعمال الذين يوظفون الآخرين، ونضعها في بيئة اقتصادية خصخصة، بمعنى أن تكون في مناي عن مجال السياسة، أو الشؤون العامة، أو الدولة. ولا شيء من هذا هو غير قابل للتحدي من حيث المبدأ أو لم يسبق أنه واجه التحدي بالفعل؛ فمنظومة التنظيم الاجتماعي التي بني افتراضيا على القوى الاجتماعية المخصخصة (privatized social powers) هي منظومة تحف بها التناقضات والتوترات. وتسلط المادية التاريخية (historical materialism الضوء على هذه القوى، وعلى دفاعاتها الهيكلية والأيديولوجية، لكي تخضعها للتمحيص النقدي. وإن هدف هذا التحليل النقدي للهياكل التاريخية هو إتاحة التعرف إلى الإمكانات التاريخية الحقيقية للتغيير التقدمي الاجتماعي
إن الرأسمالية بوصفها منظومة للتنظيم الاجتماعي، وطريقة في الحياة، تفترض مسبقا كجزء من هيكلها مجالا اقتصاديا مخصخصا ومفرغا سياسيا في آن، وبالمثل، فإنها تفترض دولة سياسية، وعامة (أي الفصل التام بين ما هو خاص وما هو عام. والأبعد من ذلك، أن هذا الفصل مشمول في ممارسات ورموز ثقافية متنوعة نبدو فيها لأنفسنا أفرادا خصوصيين، وعمالا، ومستهلكين، ومواطنين يملكون حقوقا، يواجهون عالما قررا مسبقا بجب أن نختار فيه أكثر الوسائل كفاءة لتحقيق أغراضنا الخاصة. إن التعريف الضيق للراسمالية بأنها تعني الاقتصاد - ومن ثم أن الماركسية تعني التحليل الاقتصادي - فيه إغفال للنقطة الحاسمة بأن أشكالا معينة من التنظيم والممارسة السياسية والاجتماعية مرهونة بالحقيقة الاجتماعية الرأسمالية، وهي متورطة في الصراعات السياسية حول إعادة إنتاج - أو تحويل - أسلوب الحياة ذلك بأكمله. التنظيم في الهرمية العلمية: من النظريات الكلاسيكية للإمبريالية إلى المنظومة العالمية الحديثة
من بين مساهمات النظام الفكري الماركسي الأكثر تأثيرا في دراسة السياسة العالمية، تلك التي تهدف إلى التنظير حول الهرميات العالمية للقوة والثروة، بما فيها نظريات الإمبريالية (imperialism). وبحسب الكتاب المؤثر لأنطوني برور (Anthony Brewer) الذي يحظى بتقدير واسع، فإن مارکس نفسه لم يستعمل في الحقيقة عبارة «الإمبريالية، قط. يضاف إلى ذلك أن تأويل برور لمناقشات مارکس القليلة نوعا ما في الموضوع يوحي بأن الاستعمارية (colonialism) ليست ضرورية للرأسمالية: «إن الرأسمالية لا تحتاج إلى منطقة خلفية أو منطقة نائية خاضعة لها، لكنها تستعمل تلك المنطقة وتستفيد منها إن وجدت). ومع أنه لم يكن لديه الكثير ليقوله عن الإمبريالية بالذات، فإنه في ما يتعلق بديناميات التوسع لدى الرأسمالية والتي نميل هذه الأيام إلى ربطها بالعولمة، كان مارکس ذا نبوءة مسبقة:
:إن البورجوازية، بحكم التحسين المتسارع في أدوات الإنتاج كافة، وبالتسهيلات الضخمة في وسائل الاتصال، تجر الأمم جميعها، حتى أكثرها همجية، إلى التحضر (civilization). إن رخص أسعار السلع هو سلاح المدفعية الثقيلة الذي تدك به أسوار الصين كافة، والذي به رغم أولئك الهمجيين الكارهين للأجانب بعناد متزمت على الاستسلام. وهي رغم الأمم كافة، تحت طائلة الانقراض، على تبني الطرائق البورجوازية في الإنتاج؛ فهي جبرهم على أن يتبنوا ما طلق عليه نعيير التحشر (civilization) في أوساطهم، أي أن يصبحوا هم أنفسهم بورجوازيين. وبكلمة واحدة، فإن البورجوازية تخلق عالما على صورتها هي (9)
من الواضح أن الرأسمالية بالنسبة إلى مارکس لم تكن ظاهرة المحلية خالصة، محصورة بشكل محكم في الأوعية الجغرافية للدول القومية الحديثة، بل إن دينامياتها التوسعية (المتجذرة في ضرورات التراكمية التنافسية) قد فاضت عن تلك الحدود وتباعدت عن النطاق الجغرافي للسلطة السياسية التي قاعدتها الدولة. فبالنسبة إلى مارکس، كانت لقوى رأس المال الاجتماعية المخصخصة آفاق عولمية منذ زمن طويل. فقد فكر ماركس في أن الأنشطة الدولية لرأس المال الصناعي الذي يختلف عن تجارة رأس المال الذي يتعامل به التجار) كانت تتضمن إمكان تحويل التنظيم الاجتماعي للإنتاج على نطاق عالمي، بحيث تنشر وتكثف التنظيم الرأسمالي للإنتاج وتوع القوى المنتجة اجتماعيا إلى حد كبير، وقد اعتقد مارکس، بما يتناسب مع تحليله الديالكتيكي للراسمالية، بأن هذه العملية تجر معها جوانب تقدمية وجوانب تراجعية، وولد معاناة جماعية وكذلك احتمالا للتغيير النوعي، وكما كان يأمل، تغييرا اجتماعيا تقدما.
خلال الحقبة المبكرة من القرن العشرين، وبظهور بوادر الحرب العالمية الأولى، برز جيل من الكتاب الماركسيين الذين يقرنون بشكل أنسب بنظرية الإمبريالية، وكان من ضمن هؤلاء روزا لوممبرغ (Rosa Lumemburg)، ورودولف ميلفردنغ (Rudolf Hilferding)، ونيكولاي بوخارين (Nicolai Bukharin)، فضلا عن أشهرهم وهو فلاديمير لينين (Vladimir Lenin). وقد حاج هولاء الكتاب بأن العمليات المتقدمة في التراكمية الرأسمالية كانت تدفع البلدان الرأسمالية الرئيسة نحو التوسعية الاستعمارية [الكولونيالية. ومع أن الآليات المحددة التي دفعت
Syer, Capitalism and Modernigy, p. 1420,
(9) مرة أخرى، قد تشير على لسان ماركس إلى المعايير الثقافية المسيطرة والمتمركزة في أوروبا، والتي لم يكن هو نفسه بريئا منها. انظر:
وإن كان التمركز حول أوروبا متأصلاني الماركية على هذا النحو ام لا، فهذا أمر مثير للجدل. ومن وجهة نظري الخاصة، فإن هذا وباختصار ليس صحيحا بالضرورة، خصوصا في ما يتعلق بتلك الأشكال من الماركسية التي تنبذ الحتمية الاقتصادية وطرائق الفهم الغائية للتاريخ. 

الرأسمالية نحو الاستعمارية قد تنوعت (مثل البحث عن مواد خام، أو الإنتاج الفائض عن الحاجة والذي يتطلب البحث عن أسواق جديدة، أو التراكم الزائد عن الحاجة ما دعا إلى تصدير رأس المال)، فقد تلاقت أفكارهم حول فكرة أن البلدان الرأسمالية المتقدمة سوف تكون مدفوعة بضرورات تراكم رأس المال إلى دعم التوسع العالمي لتكتلاتهم الاحتكارية الكبرى المكونة من رأس المال الصناعي - المالي، وفي عالم محدود خضع فيه معظم دول العالم للاستعمار من واحدة أو أخرى من القوى الإمبريالية الكبرى، كان ينظر إلى المنافسة بين الإمبرياليين» بوصفها السبب الأكثر احتمالا للصراع، وقد بدت الحرب العالمية الأولى تأكيدا لذلك الاتجاه. وقد واجهت النظريات الكلاسيكية الإمبريالية نقدا حادا في ما يتعلق بتمثيلها نوعا من نزعات الحتمية الاقتصادية (economic determinism)؛ أي فكرة أن العمليات المتأصلة في الاقتصاد في المقرر الأولي للحياة الاجتماعية والسياسية
في سبعينيات القرن الماضي، قام إيمانويل فالرشتاين Immanuel) (Walerstein وآخرون بصوغ شكل مختلف للنظرية الدولية الماركسية ركز على المفهوم الإبداعي والجدلي للنظام العالمي الحديث (Modem World System). وقد أصيب فالرشتاين بالإحباط من الغرف السائد في التحليل والذي يتعامل مع المجتمعات، الفردية بوصفها وحدات تحليل، ويجردها من علاقاتها الاجتماعية التاريخية ذات النطاق العولمي والتي، بحسب ما حاج في تفصيل تاريخي مستفيض لدراسات رئيسة، شكلت تطورها السياسي والاقتصادي بشكل عميق، وقد فهم النظام العالمي لناحية المفاهيم بأنه يشتمل على أنظمة سياسية ونظم فكرية سياسية متعددة بضمها هيكل اجتماعي مهيمن غير عادل؛ أي هو نوع من تقسيم عولمي للعمل، تسيطر فيه البلدان المحورية، وتستغل المناطق المحيطية، [نظرية الاعتمادية الاستغلالية بين الدول الغنية (المحور) والدول الفقيرة (المحيط). وبحسب فالرشتاين ومنظري النظام العالمي - world) (system، فقد تضمنت الرأسمالية إنتاج السلع التي يتم تبادلها في الأسواق لغاية الربح، وذلك بدلا من كونها نظاما معينا للتحكم في العمالة أو استغلالها. وبحسب ذلك التعريف أصبح من الممكن الادعاء بأن النظم العالمي الحديث كان منحازا رأسماليا منذ أزمة الإقطاعية الأوروبية وظهور اقتصاد عالمي وليد خلال القرن السادس عشر الطويل، (1450 - 1620 م). «لقد وصف الاقتصاد العالمي الرأسمالي بأنه يتميز بتقسيم محوري للعمل بين عمليات إنتاج شبه محورية [عادة تؤدي من جانب عمال يتقاضون الأجر اليوميا وعمليات إنتاج محيطية لتكون في الإنتاج الأولي على الأرجح، وغالبا ما تطبق أساليب قهرية للسيطرة على العمال)، ما أدى إلى تبادل غير متساو لمصلحة أولئك الذين يتعاملون مع عمليات الإنتاج شبه المحورية (10)
الفد تميزت سياسة المنظومة العالمية الحديثة بمحاولات متكررة من الدول ذات الطموح الإمبريالي (من إسبانيا الهابسبورغية، إلى فرنسا النابليونية، إلى ألمانيا النازية) في تأكيد سيطرتها السياسية على هذا الهيكل العولمي، لتواجه بإحباط بسبب سريان آلية توازن القوى من النوع المألوف لدارسي تخصص العلاقات الدولية الواقعيين. وإن سريان آلية توازن القوى هذه بين الدول، والتي شكل المنطق السياسي المميز للمنظومة العالمية الحديثة، قد منع انحطاطها إلى إمبراطورية عالمية موحدة سياسيا، والتي اعتقد فالرشتاين وأتباعه بأن انفقاتها العامة ستؤدي في النهاية إلى تجميد التراكم العولمي وتضع النهاية للاقتصاد الرأسمالي العالمي. وعوضا عن ذلك، كما يحاج الفالرشتاينيون، تم تشكيل المنظومة العالمية وآلياتها الدورية في التراكمية من خلال صعود وانهيار منظومات حفظ النظام السياسي والهيمنية» ذات النفقات العامة المنخفضة نسبيا، والمتمركزة على دول فاعلة اقتصاديا ورائدة في الابتكار، والتي مارست القوة العولمية من دون أن تفرض إمبراطورية عولمية: مثل هولندا في القرن السابع عشر، وبريطانيا في القرن التاسع عشر، والولايات المتحدة في القرن العشرين. وقد تم الاحتفاء بنظرية فالرشتاين على نطاق واسع، ثم ووجهت في ما بعد بنقد واسع بسبب اعتمادها على الحتمية الاقتصادية وميلها إلى تفسير بعض التطورات التاريخية المعينة في إطار المتطلبات المزعومة للمنظومة العالمية الرأسمالية. ففي نظرية فالرشتاين، تم تقليص الطبقات، والدول، والأشكال الأخرى من الهيئات السياسية إلى تعبيرات في الهيكل العولمي، ما جعل من الصعب تصور أي أنواع من النظريات أو الممارسات التي يمكن أن تؤدي إلى التغيير أو التحول. وفي الجزء التالي، سوف أناقش تطور النظرية الجدلية
الديالكتيكية في إطار الماركسية الغربية والنظرية النقدية، وسأنشر كيف أن هذه التطورات النظرية تزودنا بمصادر مفاهيمية مهمة لإعادة طرح النظريات الماركسية المتعلقة بالقوة العالمية في أشكال أكثر ديالكتيكية وأكبر تمكينا. 











مصادر و المراجع :

١- نظرية العلاقات الدولية

المؤلف: تيم دان، ميليا كوركي، وستيف سميث

المترجم: ديما الخضرا

الناشر: المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات - بيروت

الطبعة: الأولى

تاريخ النشر: كانون الثاني - يناير 2016

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید