المنشورات

الماركسية الغربية والنظرية النقدية

لقد أدت الثورة البلشفية (the Bolshevik revolution) وصعود الماركسية السوفياتية الرسمية في «الشرق، إلى إعطاء خلفية لتطوير الماركسية الغربية،، وهي فصيلة من النظريات الإبداعية التي انت على جوانب من النظام الفكري الماركسي الكلاسيكي، وتفاعلت معه وضده في آن واحد. أما توقعات الماركسية بأن الثورة البروليتارية (proletarian revolution) (العمالية]، بمجرد اشتعالها، سوف تجتاح العالم الرأسمالي المتقدم، فقد واجهت خيبة أمل مريرة في بدايات القرن العشرين. أنجبت الثورة الروسية الاشتراكية في أمة واحدة، وترك الماركسيون في الغرب يتأملون في الأسباب التي أدت إلى عدم تبلور ثورة الطبقة العاملة في بلادهم، وتاليا، في أسباب انتصار الفاشية في بعض البلدان الغربية. أما الماركسية السوفياتية الرسمية فسرعان ما تصلبت في شكل دغمائية ستالينية صارمة في خدمة دولة الحزب الواحد، ما أدى إلى كبت الخطاب النقدي والتقرير الذاتي الاجتماعي بدلا من تمكينهما. وهذا هو السياق التاريخي الذي قد نفهم من خلاله الماركسية الغربية والنظرية النقدية، ليس في إطار نقد الرأسمالية فحسب، ولكن أيضا في إطار نقد مواز للوضعية (positivism) والحتمية الاقتصادية في كونهما طريقين لفهم الحياة الاجتماعية. وكما جاء في الملخص اللائق للمنظر النقدي دوغلاس پلنر (Douglas Kellner)، فإن «أولئك الأفراد الذين أصبحوا يعرفون ب «الماركسيين الغربيين» لمسوا الحاجة إلى أن
الملخص الاقتصادية في كون ولكن أيضا في المغربية والنظرية الا
هو السياق بهتموا بالوعي، والذاتانية، والثقافة، والعقيدة، وفكرة الاشتراكية، تحديدا لأنهم أرادوا أن يجعلوا التغيير السياسي الراديكالي ممكناه (11). وسوف أسلط الضوء على المساهمات الجوهرية لمسارين رئيسين من مسارات الفكر الماركسي الغربي، وهما: النظرية النقدية (critical theory) المرتبطة بمدرسة فرانكفورت the) (Frankfun School، والماركسية الجدلية (dialectical Marxism) المرتبطة بأنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) وأتباعه (الذين أعتبر نفسي واحدا منهم).
يشير تعبير مدرسة فرانكفورت إلى مجموعة من المنظرين الذين ارتبطوا أصلا بمعهد الأبحاث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت الذي انطلق في العشرينيات من القرن العشرين. وفي بعض الجوانب، عمل هؤلاء المنظرون ضمن روح النقد الماركسي للتأثير المفقد للتمكين والذي يخص الحداثة الرأسمالية، ولكن من جوانب أخرى، ابتعد أولئك المنظرون عن الأشكال الماركسية الأكثر قربا من الاتجاه الماركسي السائد. وقد بدأ اثنان من المنارات الريادية للمدرسة الفرانكفورتية، وهما ماکس هورکهايمر (Max Horkheimer) وثيودور آدورنو (Theodor Adomo «بفقدان ثقتهما في إمكان أن تثور الطبقة العاملة في وجه انتصار الفاشية وأن دمج العمالة في المنظومة الرأسمالية في البلدان الرأسمالية الديمقراطية 12). يضاف إلى ذلك أنهم رأوا كيف أن الماركسية في الاتحاد السوفياتي قد تحولت إلى مبدأ متعنت في الحتمية الاقتصادية الذي قدس باعتباره علما، موضوعيا. وفي وجه هذه التطورات، أراد هؤلاء المنظرون
الماركسيون الغربيون الاحتفاظ بدور نقدي للنظرية الاجتماعية بحتمل إمكان التقدمية، لكنهم كانوا قد ضاقوا ذرعا بانشغال الماركسية الأرثوذكسية بالإنتاج
كما تهم بالمعنى الضيق) وبالتركيز على الدور التاريخي للبروليتاريا أو الطبقة العمالية، وقد كان المنظرون التقديون متشككين للغاية في إمكان التوصل إلى أنماط المعرفة المثبتة موضوعيا بمعزل مستقل عن السياق الاجتماعي، وبمعزل عن الممارسات والمعايير السائدة. وقد أثاروا شكوكا حول الانقسام الثنائي بين ما هو وما يجب، وبين الحقيقة والقيمة، وبين الموضوع المعروف والشخص العارف، والتي شكلت أساسا للأشكال والوضعية» (positivist) من ادعاءات المعرفة العلمية وما يرتبط بها من قوالب فكرية (أي إنهم أشاروا إلى جوانب التناقض بين الممارسة الماركسية ومرتكزات الفلسفة الوضعية. وقد كان هورکهايمر وأدورنو، بشكل خاص، ناقدين حاذين لفكرة العقل الأداتي (instrumental reason)، وهي تطبيق العقلانية التقنية على الوسائل (أي اختيار أكفا أداة لتحقيق هدف محدد مسبقا) التي تدعي الحيادية في ما يتعلق بالأهداف رأي إن الهدف محايد بالنسبة إلى الوسائل. وعلى العكس من ذلك، فإن بناء ادعاءات المعرفة هو ممارسة اجتماعية هادفة كأي نشاط اجتماعي آخر، وليس أقل، والنظرية محشوة بالقيم والمعايير الاجتماعية، ومحفوفة بالمضامين السياسية بالنسبة إلى المستقبل، سواء أكانت تلك المضامين صريحة أم ضمنية. إذا، فالنظريات التي تدعي الحقيقة الموضوعية، هي نظريات مضللة بعمق؛ فهي من جانب معين تلقي الضبابية على الالتزامات المعيارية التي تأسست عليها ادعاءاتها بالصدقية، ومن جهة أخرى تنكر أن القيم المعيارية البديلة والعوالم المستقبلية المحتملة تصبح عرضة للخطر في مزاعم المعرفة التي تطرحها النظرية على أنها حقائق. إن النظم الفكرية الخاصة بالقرن العشرين، والتي تشكل أساسا للمجتمعات التي تدار بطريقة بيروقراطية في الشرق والغرب، والتي أيضا تتغلغل فيها الفلسفة الوضعية والعقل الأداتي، قد أدت إلى تجميد
الخطاب النقدي
بالمثل، كان الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي شجن في سجون موسوليني الفاشية في العقد الأخير من عمره، ناقدا حادا لأشكال المعرفة ذات النظرة الاقتصادياتية والوضعية، بما فيها أشكال الماركسية المبنية على الحتمية الاقتصادية. ولقد أصر غرامشي على وضع عملية بناء المعرفة الإنسانية في سباقات اجتماعية تاريخية معينة، ومن خلال نقده المدمر لماركسية بوخارين (Bukharin) الاقتصادياتية والعلمية، سخر من «أي صيغة منتظمة تقدم على أنها حقيقة خارج التاريخ، أي على أنها مسلمة تجريدية خارج نطاق الزمان والمكان، معتبرا إياها مادياتية ميتافيزيقية (19). ولم تكن الماركسية بالنسبة إلى غرامشي هي الحقيقة الموضوعية للتاريخ، بل كانت طريقة لقول قصة التاريخ من داخل السياق التاريخي الرأسمالي، وهي قصة يمكن أن تدفع الناس إلى أن ينظروا إلى آفاق مستقبلية ممكنة لما بعد الرأسمالية وأن يسألوا أنفسهم كيف يمكنهم أن يعملوا سويا ليصلوا من هنا إلى هناك.
تبعا لذلك، طور غرامشي نظرية الهيمنة (hegemony) بوصفها شكلا من أشكال القوة السياسية والتي اعتمدت بقوة على القبول الموافقة أكثر من اعتمادها على الإكراه. ففي الموقف الاجتماعي الهيمني، تقوم الجماعات المسيطرة (الطبقات، وأجزاء الطبقات، وحلفاؤهم المتنوعون) بصوغ رؤية اجتماعية تزعم أنها تخدم مصالح الجميع، ويستعملون حوافز انتقائية لاجتذاب شرکاء أصغر لتحالفهم ولتقسيم المعارضة وإضعافها. وقد اعتقد غرامشي أنه في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، حيث كان المجتمع المدني متطورا إلى حد بعيد، يمكن أن يتم تعزيز قوة الهيمنة والطعن فيها في منتديات الثقافة الشعبية، والتربية، والصحافة، والأدب، والفن، وكذلك في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية. وفي ظل ظروف الهيمنة، قد يتم توجيه الجماعات الاجتماعية المرؤوسة (ذات المكانة الأدنى للموافقة على قوة الجماعات المسيطرة، ما يلغي الحاجة إلى الاستعمال الواسع للقوة الإكراهية المباشرة (والتي من الواضح أنها قوة جائرة). وفي أي حال، فقد جادل غرامشي بان الهيمنة لم تكن خالية من العيوب، أي إنها لم تكن أيديولوجية مسيطرة تمنع أي احتمال للنقد. وإنما الهيمنة على العكس من ذلك، يمكن تحديها، لا بل يجب تحديها باستمرار في جميع أنحاء المجتمع المدني، وقد أمل غرامشي بأنه يمكن بهذه الطريقة تحدي الثقافة الرأسمالية المجزأة والمجردة من الطابع السياسي، وذلك من جانب ثقافة سياسية مناهضة للهيمنة، وبأنه قد يتم توجيه الناس ک? ينظروا إلى حياتهم الاقتصادية كموضوع له أهمية سياسية، وبأنهم قد يبدأون بالتشكيك في التقسيم الهيكلي للرأسمالية بين الجوانب الاقتصادية والجوانب السياسية للحياة الاجتماعية. وقد رأي غرامشي أن هذا الاحتمال الأخير هو الشرط الضروري المسبق للإرساء المتزامن للديمقراطية في كل من الحياة الاقتصادية، والثقافية، والسياسية، وآته بوابة لمستقبلات متنوعة ممكنة لما بعد الرأسمالية (10).
تحليل نقدي معاصر للقوة العولية إن أشكال النظرية النقدية التي طورتها مدرسة فرانكفورت وغرامشي قد تقودنا إلى النظر ببعض التشكك في ادعاءات العلمية الموضوعية المرتبطة بأشكال الفلسفة الوضعية في نظرية العلاقات الدولية، وفي الحتمية الاقتصادية التي بنيت عليها النظريات الكلاسيكية المتعلقة بالإمبريالية أو نظرية المنظومة العالمية. في الواقع، اعتمد المنظرون المعاصرون هذه المصادر ومصادر فكرية أخرى ذات صلة، من أجل البدء في بناء نظريات نقدية للسياسة العالمية. وقد ظهرت مساهمات رائدة في بدايات الثمانينيات من القرن العشرين من مفکرين أمثال ريتشارد آشلي (Richard Ashley)، وروبرت کوکس (Robert Cox)، و آندرو لينکلايتر (Andrew Linklater).
بدأ آشلي (الذي اعتمد كثيرا في البداية على المنظر الاجتماعي النقدي المعاصر يورغن هابرماس (Jurgen Habermas)، لكنه أصبح في ما بعد أكثر ارتباطا بفلسفة ما بعد البنيوية، انظر الفصل الحادي عشر) في تطوير نقد لفلسفة کينيث والتز (Kenneth Waltz) في الواقعية الجديدة التي، بحسب حاجته، تعيد تأطير الواقعية الكلاسيكية التي تركز على التفسير الفاعل للممارسات البراغماتية، والحاذقة، والخلاقة في إدارة شؤون الدولة إلى نظرية إيجابية تكون فيها السياسة العالمية نفسها قد تم تجريدها من الطابع السياسي، واختزالها لتصبح منطقا اقتصاديا بتعاطي مع العالم الذي يواجهه کاحدي المسلمات، ولا يبحث إلا في ما يتعلق بالإنجاز الكفر لأي أهداف مطروحة أمام الفاعل السياسي» (19). أما المسائل المتعلقة بالغايات السياسية فهي مفرغة من دراسة السياسة العالمية، كما أن قدرة النظرية على أن تتفکر نقديا في العوالم البديلة المحتملة فمرفوضة على نحو فعال. والتيجة، بحسب آشلي، هي «إفقار الخيال السياسي واختزال السياسة الدولية لتصبح ساحة قتال يتعارك فيها العقل الاختصاصي ضد العقل الاختصاصي الآخر في خدمة غايات غير قابلة للنقاش» (19). وهناك منظرون آخرون في تخصص العلاقات الدولية النقدية أمثال لينكلايتر (7) ممن اعتمدوا على فکر هابرماس أيضا، سعوا إلى إعادة التجريد لفكرة الدولة، وإعادة إدماج عمليات التفكير الاجتماعي وأخلاقيات الحوارا ضمن تصور معياري إبنية المجتمع السياسي على المستويات كافة. وكما يوضح ديفيتاك (10) «فإن أخلاقيات الحوار نمي المثالية العالمية في أن التنظيم السياسي للبشرية يتم تقريره من خلال عملية حوار تكون فيها المشاركة مفتوحة لجميع من يعذ أنه يتأثر بالقراره.
وقد اعتمد روبرت کوکس (19) كذلك على فكرة النظرية النقدية في إثارة التساؤلات حول الطرائق السائدة في التنظير في السياسة العالمية، إذا نظرنا إلى الواقعية الجديدة بوصفها نوعا ينتمي إلى النظرية الوضعية أو نظرية «حل المشكلات»، «فإن الواقعية الجديدة تعتبر ضمنا أن عملية الإنتاج، وعلاقات القوة التي تكمن فيها، هي عنصر مسلم به من عناصر المصلحة القومية، وتاليا فإنها تعتبرها أحد مؤشرات المصلحة القومية (20). وعلى افتراض ما هو في حاجة إلى أن يفر، تصف الواقعية الجديدة أنماطا في تسيير القوة بين الدول من دون الاستفسار عن العلاقات الاجتماعية التي يتم من خلالها إنتاج تلك القوة. 

يضاف إلى ذلك أن تلك العلاقات ذاتها لديها تاريخ، وعملية إنتاج، ولا داعي البقائها إلى الأبد على الشكل الذي نراها فيه الآن. وتبعا لذلك، يتبني کوکس ما يدعوه طريقة «الهياكل التاريخية، حيث تتوقف قوة الدولة عن كونها العامل التفسيري الوحيد وتصبح جزءا مما يجب تفسيره» (21):
ايمكن تمثيل وضع العالم على أنه نمط من القوى الاجتماعية المتفاعلة تمارس فيه الدول دور الوسيط، لكن المستقل بين الهيكل العولمي للقوى الاجتماعية والتشكيل المحلي للقوى الاجتماعية ضمن بلدان معينة ... وينظر إلى القوة على أنها منبثقة من عمليات اجتماعية بدلا من التعاطي معها على أنها معطيات على شكل قدرات مادية متراكمة، أي في كونها نتيجة لهذه العمليات (إذا أعدنا صوغ أفكار مارکس، في إمكاننا أن نصف الرؤية الواقعية الجديدة الأخيرة بأنها «وثنية القوة» (fetishism of power) (22)
عندئذ ستتخذ المقاربة النظرية النقدية للسياسة العولمية (global politics) منظورا علائقا، ذا طابع عملياتي، وستسعى إلى إظهار كيف أن القوى الاجتماعية (الطبقات، والحركات الاجتماعية ... إلخ)، والدول، والنظم العالمية مترابطة ما في كوكبة خاصة من الهياكل التاريخية. وسوف تتجه هذه المقاربة إلى البحث في الطرائق التي تم فيها اجتماعيا إنتاج هذه الهياكل التاريخية - بما تتضمنه من جوانب سياسية، وثقافية، واقتصادية - وفي الطرائق المتنوعة التي تقوم بها هذه الهياكل بتمكين الوكلاء الاجتماعيين المختلفين، وفي أنواع المقاومات التي ولدها علاقات القوة تلك. كما ستسعى هذه المقاربة إلى الإضاءة على التوترات والإمكانات ضمن الهياكل التاريخية للحاضر، من اجل أن تفتح آفاقا سياسية وأن تمكن الوكلاء الاجتماعيين، المتموضعين ضمن تلك الهياكل، من تخيل العوالم البديلة الممكنة، وأن تمكنهم في النهاية من البدء بإدراك تلك العوالم. ولقد تمت مناقشة الرؤية المتعلقة بالنظرية - والتي بدافع عنها کوکس - وتوصيفه لنظرية حل المشكلات في الفصل الأول. 

لقد ظهر في الآونة الأخيرة ما يشبه النهضة لدى النظرية الماركسية الدولية التي بدأت خلال التسعينيات، لتبلغ أوجها مع توجه الولايات المتحدة نحو السيطرة العسكرية والحرب الوقائية بعد عام 2001. ومن أبرز المساهمات كان النقد الماركسي الذي قدمه جستن روزنبرغ (Justin Rosenberg) في نقد المقاربات الواقعية النظرية العلاقات الدولية التي اتهمها بأنها «في إمكانها أن تدرك أن الدولة الحديثة تهدف إلى تحريك الاقتصاد (حشده]، لكن هذا
لا يعني أن الاقتصاد هو جزء من محل عبر وطني (transnational) ينتج تأثيرات سياسية مهمة بشكل مستقل عن وكالة الدولة» (2). وبدلا من تجسيد الأول بوصفها وكلاء السياسة العالمية ذوي الامتيازات عبر التاريخ، يسعي روزنبرغ إلى إعادة تحديد سياق الجغرافيا السياسية (الجيوسياسية أو جيوبوليتيك) (geopolitics) ضمن هياكل أوسع لإنتاج وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية» (29). وفي ظل الظروف الاجتماعية للحداثة الرأسمالية، حيث يتحقق الفصل الهيكلي بين الحياة الاقتصادية والحياة السياسية، فإن هذا يعني أن ممارسة القوة الإمبريالية، مثلها مثل القوة الاجتماعية المحلية، سوف يكون لها جانبان مترابطان، وهما: جانب سياسي عام يهتم بإدارة منظومة الدول (states
- system)، وجانب سياسي خاص يؤثر في الاستخلاص (عبر الوطني للفرائض والتبادل عبر الوطني لها». وفي كلا المجالين، ستواجه الجهات الفاعلة ضغوط المنافسة الفوضوية التي تميز الهيكل التاريخي ككل. ويشير روزنبرغ إلى هذه الجغرافيا السياسية الرأسمالية الحديثة بأنها نوع جديد من الإمبراطوريات: وهي إمبراطورية المجتمع المدني (29). وغداة ظهور العمل الرائد لروزنبرغ، قام المنظران بنو تشك (Benno Teschke) وهانز لاتشر (Hannes Lacher) (انظر القسم المتعلق بالكتاب المنتقي) ببناء تنظيرات ماركسية إبداعية حول انبثاق الجغرافيا السياسية الرأسمالية ضمن منظومة من الدول ذات أقاليم متعددة. ومع التوجه العسكري المكشوف في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بدأت تظهر ملامح إزهار حقيقي للنظرية الماركسية حول السياسة العالمية (20).
الكتاب المنتقي
کتاب هانز لانشر بعنوان ما وراء العولمة: الرأسمالية، والجغرافيا، والعلاقات الدولية للحداثة (27)
مع اعتراف هانز لاتشر برؤية جستن روزنبرغ بان الجغرافيا السياسية الرأسمالية تختلف نوعا عن الجغرافيا السياسية للنظم المطلقة أو الجغرافيا السياسية الإقطاعية، فإنه يقدم حاجة نظرية قوية وتاريخية ضد الفرضية التي تقول إن الدولة الحديثة - ومنظومة الدول تاليا - قد ولدتا من العمليات التاريخية نفسها التي أدت إلى ظهور الرأسمالية. ووفقا لمحاجة لاتشر، فإن
ظهور نظام من الدول الإقليمية المتنافسة - وهي عملية حركتها المقتضيات السياسية الاقتصادية المحددة تاريخيا للحكم المطلق في أوروبا في حقبة الحداثة المبكرة - قد سبق ظهور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية ولا يمكن فهمه بدقة عند اعتباره ناتجا لها. وفي أي حال، فعلى إثر ظهور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في إنكلترا في القرن السابع عشر، تحولت ديناميات الجغرافيا السياسية المطلقة وتم استيعاب منظومة الدول الإقليمية في داخل نظام رأسمالي بحت في العلاقات الاجتماعية عبر القومية العابرة للقوميات]، وأصبحت تلك المنظومة جزءا لا يتجزأ من ذلك النظام. وقد تحولت طبيعة السيادة ذاتها حينما قام الحكم المطلق وفكرة الملكية ذات التكوين السياسي، وهي إحدى الخصائص المميزة للحكم المطلق) بإفساح المجال أمام التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية التي تعتمد على الفصل الرسمي بين السياسة والاقتصاد، وفصل السيطرة عن الاستملاك. وبهذه الطريقة، يحاج
لاتشر بأن «المجال السياسي للرأسمالية قد تم شرخه بواسطة جغرافيا السيادة الإقليمية (sovereign territoriality)، وأن هذا الانفصال التاريخي الهيكلي قد وضع الدول في حالة من التنافس «فبينما تقف الدولة محليا منفصلة عن المنافسة بين رؤوس الأموال الفردية، وتسعى إلى تنظيم الاقتصاد من خلال أشكال الحوكمة العالمية مثل حكم القانون والمال، فإن الدولة في المجال الدولي في منافسة، أو في مكانها هي ذاتها أن تكون منافسة، وتسعى إلى تعزيز فوائد رأسمالها من خلال وسائل سياسية واقتصادية (20). علاوة على ذلك، يناقش لاتشر بأنه قد تم تشكيل الميول العولمية للرأسمالية وتوجيهها من خلال العلاقات المشتركة بين الدول الإقليمية المتنافسة واستراتيجياتها السياسية الاجتماعية والسياسية الجغرافية. وهذه الديالكتيكية الجدلية اللجغرافيا (للأقلمة] territorialization) والعولمة، هي التي يعرفها لاتشر بوصفها الدينامية المركزية التي يتم من خلالها إنتاج الجغرافيا السياسية المعاصرة، ومقارنة بالمفكرين الآخرين الذين يحاجون بأنه يرجح بنظام الدول المسيطرة إقليميا أن يبقى في المستقبل المجهول لكونه البنية التحتية السياسية ذات الإشكاليات للرأسمالية المعولمة اقتصاديا)، ومقارنة أيضا باولئك الذين يفترضون بأن العمليات والعلاقات العالمية للرأسمالية ستقوم نوعا ما وبصورة حتمية بإدراج الدول القومية ضمن فئاتها)، يرى لاتشر أن ثبات الحكم المستند إلى الجغرافيا هو مسألة لا تزال مفتوحة إلى درجة كبيرة - وأنه مسألة سياسية جوهريا - في عهد العولمة الرأسمالية. 













مصادر و المراجع :

١- نظرية العلاقات الدولية

المؤلف: تيم دان، ميليا كوركي، وستيف سميث

المترجم: ديما الخضرا

الناشر: المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات - بيروت

الطبعة: الأولى

تاريخ النشر: كانون الثاني - يناير 2016

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید