المنشورات

دهرية

- الدهرية ... هؤلاء كانوا أقواما قد كان لهم من الفهم والتمييز قدرا ما. فنظروا إلى الموجودات الجزئية المدركة بالحواس وتأمّلوا واعتبروا لها أحوالها فوجدوا لكل مصنوع أربع علل: علّة هيولانية، وعلّة صورية، وعلّة فاعلية، وعلّة تمامية. فلما فكّروا في حدوث العالم وصنعته طلبوا لها هذه الأربع العلل وبحثوا عنها وهي هذه ترى من عمله؟ ومن أي شيء عمله؟ وكيف عمله؟ ولم عمله؟ وأيضا متى عمله؟ فلم يبلغ فهمهم إلى ذلك ولم يتصوّروه لقصور نفوسهم عن فهم دقّة معانيها لأنّ الباحث عنها يحتاج إلى نفس زكية فاضلة في العلم والعمل، ويحتاج إلى ذهن صاف خلو عن الغش أو الدغل ونظر دقيق وبحث شديد ليدرك هذه العلل ومعانيها وحقائقها- كما بيّنا في رسالة المعارف.
و لما نظروا في هذه المباحث ولم يعرفوها دعاهم جهلهم وإعجابهم بآرائهم إلى القول بقدم العالم وأزليته وأنكروا العلّة الفاعلية لما جهلوا الثلاث الباقية ولم يعرفوها (ص، ر 3، 425، 8) - الدهريون، وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبّر، العالم القادر، وزعموا أنّ العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه بلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان وكذلك يكون أبدا.
و هؤلاء هم الزنادقة (غ، مض، 19، 4) - التي تجوّز مرور العلل إلى غير نهاية بالذات فهي الدهرية، ومن يسلّم هذا يلزمه الّا يعترف بعلّة فاعلة (ش، ته، 157، 10) - إن الدهريين وغيرهم معترفون بمبدإ أول لا علّة له، وإنما اختلافهم في هذا المبدأ، فالدهريون يقولون: إنه الفلك الكلّي، وغير الدهريين يقولون: إنه شيء خارج عن الفلك، وإن الفلك معلول وهؤلاء فرقتان: فرقة تزعم أن الفلك فعل محدث، وفرقة تزعم إنه فعل قديم (ش، ته، 157، 15) - الفلاسفة ليس من أصولهم وجود قديم قائم من أجزاء محدثة من جهة ما هي غير متناهية، بل هم أشد الناس، إنكارا لهذا، وإنما هذا من قوة الدهرية (ش، ته، 163، 26) - مذهب الناس في الأجناس ثلاثة مذاهب:- مذهب من يرى أن كل جنس فهو كائن فاسد، من قبل أنه متناهي الأشخاص.- ومذهب من يرى أن من الأجناس ما هي أزلية، أي لا أول لها ولا آخر، من قبل أن يظهر من أمرها أنها من أشخاص غير متناهية وهؤلاء قسمان: قسم قالوا: إن أمثال هذه الأجناس إنما يصح له الدوام من علة ضرورية واحدة بالعدد، وإلا لحقها أن تعدم مرات لا نهاية لها في الزمان الذي لا نهاية له. وهؤلاء هم الفلاسفة.-
و قسم اعتقدوا أن وجود أشخاصها غير متناهية، كاف في كونها أزلية وهم الدهرية (ش، ته، 164، 26) - أما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع سبحانه فمثال من أحسّ مصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات؛ بل ينسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته (ش، م، 154، 13) 












مصادر و المراجع :

١- موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب

المؤلف: جيرار جهامي (معاصر)

عدد الأجزاء: 1

الناشر: مكتبة لبنان ناشرون - بيروت

الطبعة: الأولى/ 1998 م

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید