- اختلف الفلاسفة في قدم العالم. فالذي استقرّ عليه رأي جماهيرهم المتقدّمين والمتأخّرين القول بقدمه، وأنّه لم يزل موجودا مع اللّه تعالى ومعلولا له ومساوقا له، غير متأخّر عنه بالزمان، مساوقة المعلول للعلة، ومساوقة النور للشمس، وأن تقدّم الباري عليه كتقدّم العلّة على المعلول، وهو تقدّم بالذات والرتبة لا بالزمان (غ، ت، 39، 5) - قدم العالم محال، لأنّه يؤدّي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ولا حصر لآحادها، مع أنّ لها سدسا وربعا ونصفا، فإنّ فلك الشمس يدور في سنة، وفلك زحل في ثلاثين سنة، فتكون أدوار زحل ثلث عشر أدوار الشمس (غ، ت، 45، 9) - القائلون بقدم العالم قالوا إنّ خالق العالم لم يزل موجودا قادرا لا يعجز وجوّادا لا يبخل وليس معه ضدّ يمانعه ولا ندّ يشاركه في المبدئية والخلق أو يعينه عليه أو يقتضيه به أو يسأله فيه. وإذا كان اللّه تعالى فيما لم يزل قادرا عالما جوّادا فهو فيما لم يزل خالقا موجدا، والعالم المخلوق الذي هو مبديه وموجده لم يزل معه موجودا (بغ، م 2، 28، 12) - أما مسألة قدم العالم أو حدوثه، فإن الاختلاف فيها عندي (ابن رشد) بين المتكلّمين من الأشعرية والحكماء المتقدّمين يكاد أن يكون راجعا للاختلاف في التسمية، وبخاصّة عند بعض القدماء. وذلك أنهم اتفقوا على أن هاهنا ثلاثة أصناف من الموجودات طرفان وواسطة بين الطرفين، فاتفقوا في تسمية الطرفين واختلفوا في الواسطة. فأما الطرف الواحد، فهو موجود وجد من شي ء، أعني عن سبب فاعل ومن مادة، والزمان متقدّم عليه، أعني على وجوده. وهذه هي حال الأجسام التي يدرك تكوّنها بالحس، مثل تكوّن الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك. وهذا الصنف من الموجودات اتفق الجميع من القدماء والأشعريّين على تسميتها محدثة.
و أما الطرف المقابل لهذا، فهو موجود لم يكن من شي ء، ولا عن شي ء، ولا تقدّمه زمان.
و هذا أيضا اتفق الجميع من الفرقتين على تسميته" قديما". وهذا الموجود مدرك بالبرهان، وهو اللّه تبارك وتعالى. هو فاعل الكل وموجده والحافظ له سبحانه وتعالى قدره. وأما الصنف من الموجود الذي بين هذين الطرفين، فهو موجود لم يكن من شي ء، ولا تقدّمه زمان، ولكنه موجود عن شي ء، أعني عن فاعل، وهذا هو العالم بأسره (ش، ف، 40، 14)
مصادر و المراجع :
١- موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب
المؤلف: جيرار جهامي (معاصر)
عدد الأجزاء: 1
الناشر: مكتبة لبنان ناشرون - بيروت
الطبعة: الأولى/ 1998 م
تعليقات (0)