المنشورات

متخيّلة

- إنّ وراء المشاعر الظاهرة شركا وحبائل لاصطياد ما يقنصه الحس من الصورة. ومن ذلك قوة تسمّى مصوّرة وقد رتّبت في مقدم الدماغ وهي التي تستثبت صور المحسوسات بعد زوالها عن مسامتة الحواس وملاقاتها فتزول عن الحس وتبقى فيها. وقوة تسمّى وهما وهي التي تدرك من المحسوس ما لا يحس مثل القوة في الشاة إذا تشبح صورة الذئب في حاسة الشاة فتشبحت عداوته ورداءته فيها إذ كانت الحاسّة لا تدرك ذلك. وقوة تسمّى حافظة وهي خزانة ما يدركه الوهم كما أن المصوّرة خزانة ما يدركه الحس. وقوة تسمّى مفكّرة وهي التي تتسلّط على الودائع في خزانتي المصوّرة والحافظة فيخلط بعضها ببعض ويفصل بعضها عن البعض. وإنما تسمّى مفكّرة إذا استعملها روح الإنسان والعقل فإن استعملها الوهم سمّيت متخيّلة (ف، ف، 12، 13) - لهذه القوى (المتخيّلة) خواصا عجيبة وأفعالا ظريفة. فمنها تناولها رسوم سائر المحسوسات جميعا وتخيّلها بعد غيبة المحسوسات عن مشاهدة الحواس لها، ومنها أيضا أنّها تتخيّل وتتوهّم ما له حقيقة وما لا حقيقة له بعد أن عرف بسائط بالحسّ إذ له من القوة ما يقدر أنه يوافي الصور التي أدّاها الحسّ إلى النفس في هيولاه كيف شاء لأنّه كان يجدها مجرّدة عن الهيولى التي هي ماسكة للصور ومختفية بعضها دون بعض، فإذا أخذها مجرّدة لا إمساك لها ولا ربط، أمكنه أن يؤلّف بينها كما شاء ويركّبها ويصل بعضها ببعض ما لم تكن متّصلة بالهيولى. مثال ذلك أنّ الإنسان يمكنه أن يتخيّل بهذه القوة جملا على رأس نخلة أو نخلة ثابتة على ظهر جمل أو طائرا له أربع قوائم أو فرسا له جناحان أو حمارا له رأس إنسان (ص، ر 3، 386، 7) - من عجائب أفعال هذه القوة (المتخيّلة) أيضا أنّها تركّب القياسات وتحكم بها على حقائق الأشياء بلا رويّة ولا اعتبار، مثل ما يفعل الصبيان والجهال وكثير من العقلاء أيضا (ص، ر 3، 388، 12) - إنّ لهذه القوة المتخيّلة عجائب كثيرة ووصفنا خواص أحوالها من أجل أنّها من أعجب القوى الداركة، وإنّ أكثر العلماء تائهون في بحر هذه القوة وعجائب متخيّلاتها. وذلك أنّ الإنسان يمكنه بهذه القوة في ساعة واحدة أن يجول في المشرق والمغرب والبرّ والبحر والسهل والجبل وفضاء الأفلاك وسعة السماوات وينظر إلى خارج العالم ويتخيّل هناك فضاء بلا نهاية. وربما يتخيّل من الزمان الماضي وبدء كون العالم ويتخيّل فناء العالم ويرفع من الوجود أصلا وما شاكل هذه الأشياء ممّا له حقيقة وممّا لا حقيقة له (ص، ر 3، 389، 13) - هاهنا قوة تفعل في الخيالات تركيبا وتفصيلا تجمع بين بعضها وبعض وتفرّق بين بعضها وبعض، وكذلك تجمع بينها وبين المعاني التي في الذكر وتفرّق. وهذه القوة إذا استعملها العقل سمّيت مفكّرة، وإذا استعملها الوهم سمّيت متخيّلة، وعضوها الدودة التي في وسط الدماغ (س، ع، 39، 3) - قد نعلم يقينا أنّه في طبيعتنا أن نركّب المحسوسات بعضها إلى بعض، وأن نفصّل بعضها عن بعض، لا على الصورة التي وجدناها عليها من خارج ولا مع تصديق بوجود شيء منها أو لا وجوده. فيجب أن تكون فينا قوة نفعل ذلك بها، وهذه هي التي تسمّى إذا استعملها العقل مفكّرة، وإذا استعملتها قوة حيوانية متخيّلة (س، شن، 147، 18) - القوى (النفسية)، آلة جسمانية خاصة، واسم خاص. فالأولى: هي المسمّاة ب" الحسّ المشترك"، و" بنطاسيا"، وآلتها الروح المصبوب في مبادئ عصب الحسّ، لا سيّما في مقدّم الدماغ. والثانية: المسمّاة ب" المصوّرة" و" الخيال"، وآلتها الروح المصبوب في البطن المقدّم، لا سيّما في الجانب الأخير. والثالثة الوهم وآلتها الدماغ كله، لكن الأخصّ بها هو التجويف الأوسط.
و تخدمها فيها قوة رابعة لها أن تركّب وتفصّل ما يليها من الصور المأخوذة عن" الحسّ"، والمعاني المدركة ب" الوهم". وتركّب أيضا الصور بالمعاني وتفصّلها عنها، وتسمّى عند استعمال العقل مفكّرة، وعند استعمال الوهم متخيّلة. وسلطانها في الجزء الأول من التجويف الأوسط، كأنّها قوة ما ل" الوهم"، ويتوسّط الوهم للعقل. والباقية من القوى هي الذاكرة، وسلطانها في حيّز الزوج الذي في التجويف الأخير، وهو آلتها (س، أ 1، 357، 6) - هاهنا قوة تفعل في الخيالات تركيبا وتفصيلا تجمع بين بعضها وبعض وتفرّق بين بعضها وبعض وكذلك تجمع بينها وبين المعاني التي في الذكر وتفرّق، وهذه القوة إذا استعملها العقل سمّيت مفكّرة وإذا استعملها الوهم سمّيت متخيّلة وعضوها الدودة التي في وسط الدماغ (س، ر، 29، 4) - القوة التي تسمّى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية، ومفكّرة بالقياس إلى النفس الإنسانية. وهي قوة مرتّبة في التجويف الأوسط من الدماغ عند الدودة، من شأنها أن تركّب بعض ما في الخيال مع بعض، وتفصّل بعضه عن بعض، بحسب الاختيار (س، ف، 62، 5) - أمّا المتخيّلة: فهي قوة في وسط الدماغ شأنها التحريك لا الإدراك، أعني أنها تفتّش عمّا في خزانة الصور، وعمّا في خزانة المعاني. فإنّها مركوزة بينهما، وتعمل فيها بالتركيب والتفصيل فقط، فتصوّر إنسانا يطير وشخصا واحدا نصفه إنسان ونصفه فرس، وأمثال ذلك. وليس لها اختراع صورة من غير مثال سابق، بل تركّب ما ثبت في الخيال متفرّقا، أو تفرّق مجموعا، وهذه تسمّى مفكّرة في الإنسان (غ، م، 357، 4) - طبع هذه القوّة (المتخيّلة)، الحركة، فلا تفتر ولا في حالة النوم، فمن طبعها سرعة الانتقال من الشيء إلى ما يناسبه: إمّا بالمشابهة: وإمّا بالمضادة. أو بأن كان مقترنا به في الوقوع الاتفاقي عند حصوله في الخيال. ومن طبعها المحاكاة، والتمثيل، حتى إذا قسّم عقلك الشيء إلى أقسام، حاكاه بشجرة ذات أغصان.
و إن رتّب شيء على درجات حاكاه بالمراقي والسلالم، وبها يتذكّر ما نسي، فإنّها لا تزال تفتّش عن الصور التي في الخيال، وينتقل من صورة إلى صورة قربت منها، حتى تعثر على الصورة التي منها أدرك المعنى المنسيّ، فيتذكّر بواسطتها ما نسيه (غ، م، 357، 14) - المتخيّلة باضطرابها إذا كانت قد قويت بسبب من الأسباب فلا تزال تحاكي وتخترع صورا لا وجود لها، وتبقى في الحافظة إلى أن يتيقّظ النائم فيتذكّر ما رآه في المنام، ويكون لمحاكاتها أيضا أسباب، من أحوال البدن ومزاجه (غ، م، 378، 4) - إنّ المدركات الباطنية خمسة: أحدها الحسّ المشترك، وهي قوة مرتّبة في مقدّم التجويف الأول من الدماغ تجتمع عندها صور المحسوسات بأسرها، التي بها الحكم بأنّ هذا الأبيض هو هذا الحلو ... والثانية الخيال، وهي قوة مرتّبة في آخر التجويف الأول من الدماغ، هي خزانة صور الحسّ المشترك بأسرها عند غيبتها عن الحسّ المشترك، والحفظ غير القبول. والثالثة الوهمية، وهي الحاكمة في الحيوانات أحكاما جزئية، وهي قوة مرتّبة في التجويف الأوسط من الدماغ، بها تدرك الشاة معنى في الذئب موجبا للنفار. والرابعة المتخيّلة، وهي قوة مودعة في التجويف الأوسط من الدماغ أيضا عند الدودة، من شأنها التركيب والتفصيل، وهي تفرّق أجزاء نوع واحد وتجمع أجزاء أنواع مختلفة، فما في القوى الباطنة أشدّ شيطنة منها، وعند استعمال العقل تسمّى مفكّرة، ولدن استعمال الوهم متخيّلة.
و الخامسة الذاكرة، وهي قوة مرتّبة في التجويف الأخير من الدماغ، هي خزانة الأحكام الوهمية كما كان الخيال للحسّ المشترك (سه، ل، 115، 17) - المتخيّلة وهي القوّة التي تتصرّف في الصور المحسوسة والمعاني الجزئيّة المتنزّعة منها وتصرّفها فيها بالتركيب تارة والتفصيل أخرى مثل إنسان ذي رأسين أو عديم الرأس. وهذه القوّة إذا استعملها العقل سمّيت مفكّرة، كما أنّها إذا استعملها الوهم في المحسوسات مطلقا سمّيت متخيّلة (جر، ت، 211، 9) - المتصرّفة، وهي قوة تتصرّف في صور المحسوسات بالحواس الظاهرة، والمعاني الجزئية المأخوذة منها وبل وفي صور المعقولات الصرفة أيضا، وذلك بأن تركّب بعضها مع بعض، وتفصل بعضها عن بعض، كتصوير فرس ذي جناحين، وتصوير بدن لا رأس له. وكإبراز الصديق في صورة العدو وبالعكس. وهي لا تسكن عن العمل نوما ولا يقظة. فإن كان مستعملها العقل في مدركاته تسمّى مفكّرة، وإن كان هو الوهم تسمّى متخيّلة (ط، ت، 321، 6)











مصادر و المراجع :

١- موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب

المؤلف: جيرار جهامي (معاصر)

عدد الأجزاء: 1

الناشر: مكتبة لبنان ناشرون - بيروت

الطبعة: الأولى/ 1998 م

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید