المنشورات

مهود المدنيّة

آسيا الوسطى - أناو - خطوط الانتشار
إنه من المناسب أن نختم هذا الفصل الذي ملأناه بأسئلة لا يمكن الجواب عنها، بهذا السؤال: "أين بدأت المدنية؟ "- وهو كذلك سؤال يعزّ على الجواب؛ فلو أخذنا بما يقوله الجيولوجيون الذين يعنون في أبحاثهم عما قبل التاريخ بضباب أين منه شطحات الميتافيزيقا، لو أخذنا بما يقولونه، لكانت المناطق القاحلة في آسيا الوسطى ذات ماضٍ فيه ماء وفيه اعتدال في حرارة الجو، وفيه ما يُزهره من بحيرات عظيمة وأنهار كثيرة (70)، تراجعت عنها آخر الموجات الجليدية، فجفَّت شيئا فشيئا حتى لم يعد ما يسقط على ذلك الإقليم من مطر كافيا لقيام المدن والدول؛ فأخذت المدائن تقفر من أهلها واحدة في إثر واحدة، حين هرب الناس غربا وشرقا وشمالا وجنوبا سعيا وراء الماء؛ ولا تزال ترى أنقاض مدن مثل "باكترا" Bactrai غائصة في الصحراء إلى نصفها- ولابد أن تكون "باكترا" هذه قد ازدحمت بسكانها في مساحتها التي تمتد قطر دائرتها اثنين وعشرين ميلا؛ ولقد حدث في عهد جدّ حديث- سنة 1868 - أن اضطر عدد من أهل تركستان الغربية يقرب من ثمانين ألف نسمة، أن يهاجر لأن الرمال الزاحفة قد غمرت موضعه من الأرض (71) وكثيرون يذهبون إلى أن هذه الأصقاع التي تسير اليوم في طريقها إلى الفناء، قد شهدت أول خطوات أساسية من خطوات التقدم، في هذا المزيج المؤلف من نظام وطعام وعرف وأخلاق وترف وثقافة، والذي منه تتكون المدنية (72).
ولقد كشف "بَمبلِي" سنة 1907 قي "أناو" جنوبي التركستان، عن خزف وآثار أخرى تدل على ثقافة قديمة أرجعها إلى سنة 9000 ق. م، وربما أسرف في تقديره هذا فزاد أربعة آلاف (73)؛ وهاهنا نجد زراعة القمح والشعير والذرة، واستخدم الناس واستئناس الحيوان، وزخرفة الفخار بزخارف بينها من التشابه في قواعد الرسم ما يدل على أنهم كانوا قد جمعوا تقاليد وبطانة في الفنون لعدة قرون سلفت (74) والظاهر أن ثقافة تركستان سنة 5000 ق. م كانت قد قطعت من الزمن أشواطا؛ وربما كان بينهم إذ ذاك مؤرخون يضربون في أعماق ماضيهم عبثاً للبحث عن أصول المدنية، وفلاسفة أخذوا يندبون بعبارة فصيحة ما أصاب الجنس البشري إذ ذاك من تدهور كان يؤدي به إلى الموت.
ولو اهتدينا بالخيال حيث يعزُّ علينا العلم الصحيح، لقلنا إنه من هذا المركز هاجر الناس- يلوذون فراراً مما أصاب أرضهم من جفاف في المطر وجفاف في تربة الأرض- فساروا في اتجاهات ثلاثة، يحملون معهم ما لهم من فن ومدنية؛ فبلغت فنونهم- إن لم يبلغوا بفضيلتهم- أرض الصين ومنشوريا وأمريكا الشمالية من جهة الشرق؛ وبلغت شمال الهند في سيرها إلى الجنوب؛ ثم أدركت في طريقها نحو الغرب بلاد "عيلام" و "سومر" ومصر؛ بل إيطاليا وأسبانيا كذلك (75)؛ فقد وجدت في "سوزا" وهي في "عيلام" القديمة (فارس الحديثة) آثار تشبه في نمطها آثار "أناو" شبهاً يكاد يبرر للخيال الذي يعيد قوته صورة الماضي، أن يفترض أنه قد كان بين "سوزا" و "أناو" صلات ثقافية في فجر المدنية (أي حول سنة 4000 ق. م) (76) وكذلك يوجد شَبَه كهذا في الفنون والمنتجات القديمة يوحي بوجود علاقة كهذه بين بلاد ما بين النهرين ومصر فيما قبل التاريخ، وبوجود ارتباط يدل على اتصال مجرى المدنية.
ويستحيل علينا أن نعلم علم اليقين أيّ هذه الثقافات جاء أولا، وليس ذلك بكبير الأهمية، لأنها جميعاً كانت في جوهرها أفراد أسرة واحدة ونمط واحد، فلو كان لنا أن نخالف الرأي الشائع الذي اكتسب احتراما لقِدَمه، بحيث نضع "عيلام" و"سومر" قبل مصر، فلسنا نصدر في ذلك عن عبث يريد مخالفة المعروف لذاتها، لكننا نعتمد على الحقيقة التي تدل على أن عمر هذه المدنيات الآسيوية، إذا قيس إلى مدنيات إفريقية وأوربا، يمتد طولا كلما ازداد علمنا بتلك المدنيات عمقا؛ فمجاريف علماء الآثار بعد أن قضت قرنا كاملا في بحثها المظفّر على ضفاف النيل، انتقلت في سيرها عبر السويس إلى جزيرة العرب وإلى فلسطين وبين النهرين وفارس، وهي كلما خطت في طريقها هذا، ازددنا ترجيحا مع تزايد المعرفة التي تعود علينا من أبحاثنا، أن الدلتا الخصيبة للأنهار التي تجري في أرض الجزيرة "ما بين النهرين" هي التي شهدت أول مناظر المسرحية التاريخية للمدنية الإنسانية، فيما نعلم.













مصادر و المراجع :

١- قصة الحضارة

المؤلف: وِل ديورَانت = ويليام جيمس ديورَانت (المتوفى: 1981 م)

تقديم: الدكتور محيي الدّين صَابر

ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين

الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس

عام النشر: 1408 هـ - 1988 م

عدد الأجزاء: 42 وملحق عن عصر نابليون

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید