المنشورات
دوفو
داوتشين - بو - جوي - قصائد لشفاء الملاريا - دوفو
ولي بو - رؤيا الحرب - أيام الرخاء - الإملاق - الموت
لي بو عند الصينيين شبيه بكيتس عند الإنجليز، ولكن للصين غيره من المغنين، لا يكاد يقلّ حبهم لهم عن حبهم للي بو، فمنهم داوتشين الشاعر الرواقي البسيط الذي اعتزل منصباً حكومياً، لأنه على حد قوله لم يعد في وسعه أن يحني فقرات ظهره نظير خمسة أرطال من الأرز في كل يوم" أي أن يبتاع مرتبه بكرامته. واعتزل داوتشين الحياة العامة كما اعتزلها كثيرون من رجال الدولة اشمئزازاً من حياة الوظيفة ذات النزعة التجارية , وذهب ليعيش في الغابات ينشد فيها "طول السنين وعمق الخمور"، ويجد في مجاري الصين وجبالها من السلوى والبهجة ما صوره رساموها على الحرير فيما بعد:
اقطف الأقحوان تحت السياج الشرقي،
ثم اسرح الطرف طويلاً في تلال الصيف البعيدة
وأملا صدري من هواء الجبال النقي عند مطلع الفجر،
وأرى الطيور تعود مثنى مثنى.
إن في هذه الأشياء لمعاني عميقة،
لكننا إذا شئنا التعبير عنها خانتنا الألفاظ فجأة. . .
ألا ما أسخف أن يقضي المرء حياته كأوراق الشجر الساقطة المطمورة في تراب الطرقات!
ولقد قضيت ثلاثة عشرة سنة من حياتي على هذا النحو. . .
وعشت زمناً طويلاً حبيساً في قفص،
وهاأنذا قد عدت
إذ لا بد للإنسان أن يعود
ليحيا حياته الطبيعية
أما بو - جوي فقد سلك مسلكا آخر، إذ اختار المنصب الرسمي والحياة في العاصمة. وصار يرقى في المناصب العامة حتى أمسى حاكم مدينة هانج تشاو العظيمة ورئيس مجلس الحرب. لكنه رغم متاعب الحياة العامة عاش حتى بلغ الثانية والسبعين من العمر، وأنشأ أربعة آلاف قصيدة، وعب ملاذ الطبيعة في فترات نفي فيها من بلده (58). وعرف السر الذي يستطيع به أن يجمع بين الوحدة والاختلاط بالجماهير، وبين الراحة والحياة الناشطة. ولم يكن كثير الأصدقاء لأنه كما يقول عن نفسه كان رجلاً وسطاً غير ممتاز في "الخط، والتصوير، والشطرنج، والميسر، وهي الوسائل التي تؤدي إلى اجتماع الرجال وإلى الضجة السارة" (59). وكان مولعاً بالتحدث إلى عامة الناس، ويروى عنه أنه كان يقرأ قصائده لعجوز قروية، فإذا عجزت عن فهم شيء منها بسطه لها. ومن ثم أصبح أقرب الشعراء الصينيين إلى قلوب الجماهير، وكان شعره ينقش في كل مكان، على جدران المدارس والمعابد وقمرات السفن. ويروى أن فتاة من المغنيات قالت لربان سفينة كانت تطربه ليس لك أن تظن أني راقصة عادية؛ وحسبك أن تعرف أن في مقدوري أن أسمعك قصيدة الأستاذ بو: الغلطة الأبدية" (1).
وآخر من نذكره من أولئك الشعراء هو دوفو الشاعر المحبوب العميق الذي يقول فيه آرثر ويلي Arthur waley: " من عادة الذين يكتبون في الأدب الصيني من الإنجليز أن يقولوا إن لي تاي - بو أشعر شعراء الصين؛ أما الصينيون أنفسهم فيقولون إن دوفو هو حامل لواء الشعراء الصيني" (61).
ونحن نسمع به لأول مرة في شانجان حيث أقبل ليؤدي امتحاناً ليتقلد إذا نجح فيه منصباً حكومياً، ولكنه لم ينجح. على أن ذلك لم يفت في عضده، رغم أنه أخفق في مادة الشعر؛ وأعلن للجمهور أن قصائده علاج ناجع لحمى الملاريا، ويبدو أنه جرب هذا العلاج بنفسه (62). وقرأ بنج هوانج بعض أشعاره ووضع له هو نفسه امتحاناً آخر، وأنجحه فيه وعينه أمين أسرار القائد تسُوَّا. وشجع هذا العمل دوفو وأنساه وقتاً ما زوجته وأبناءه في قريتهم النائية، فأقام في العاصمة وتبادل هو ولي بو الأغاني، وأخذ يتردد على الحانات ويؤدي ثمن خمره شعراً. وقد كتب عن لي بو يقول:
أحب مولاي كما يحب الأخ الأصغر أخاه الأكبر،
ففي الخريف وفي نشوة الخمر ننام تحت غطاء واحد، وفي النهار نسير معاً يداً بيد.
فعل هذا في أيام كان منج ليانج يحب جوي - في فأخذ دو يتغنى بهذا الحب كما يتغنى غيره من الشعراء؛ فلما شبت نار الثورة وأغرقت الأحقاد والمطامع بلاد الصين في بحر من الدماء حول شعره إلى موضوعات حزينة، وأخذ يصور الناحية الإنسانية من الحرب:
في الليلة الماضية صدر أمر حكومي
بتجنيد الفتيان الذي بلغوا الثامنة عشرة.
وأمروا أن يعاونوا على الدفاع عن العاصمة
أيتها الأم! وأيها الأبناء! لا تبكوا هذا البكاء!
إن هذه الدموع التي تذرفونها تضر بكم.
وحين تقف الدموع عن الجريان تبرز العظام
ووقتئذ لا ترحمكم الأرض ولا السماء.
وهل تعرفون أن في شانتونج مائتي مقاطعة قد استحالت صحاري مجدبة،
وأن آلافا من القرى والمزارع قد غطاها الحسك والشوك؟
وأن الرجال يذبحون ذبح الكلاب، والنساء يسقن كما يساق الدجاج ...
ولو أنني كنت أعرف ما هو مخبأ للأولاد من سوء المصير
لفضلت أن يكون أطفالي كلهم بنات ...
ذلك أن الأولاد لا يولدون إلا ليدفنوا تحت العشب الطويل.
ولا تزال عظام من قضت عليهم الحرب في الماضي البعيد مدفونة بجوار البحر الأزرق تراها وأنت مار.
فهي بيضاء رهيبة تراها العين فوق الرمال،.
هنالك تجتمع أشباح الصغار وأشباح الكبار لتصيح جماعات،
وإذا هطل المطر وأقبل الخريف وهبت الريح الباردة،
علت أصواتهم حتى علمتني كيف تقتل المرء الأحزان ...
إن الطيور تتناغى في أحلامها وهي تحلق فوق الماء
والبراعة تشع بضيائها في غسق الليل.
فلم يقتل الإنسان أخاه الإنسان ليعيش؟
إني أتحسر خلال الليل في غير طائل؟.
وقضى الشاعر عامين خلال عهد الثورة يطوف بأنحاء الصين تقاسمه إملاقَه زوجته وأبناؤه، وقد بلغ من فقره أنه كان يستجدي الناس الخبز، ومن ذلته أنه خر راكعاً يدعو بالخير للرجل الذي آوى أسرته وأطعمها حيناً من الزمان (65). ثم أنجاه من بؤسه القائد الرحيم ين وو فعينه أمينا لسره، وغفر له أهواؤه وأطواره الشاذة، وأسكنه كوخاً على ضفة "مجرى غاسل الأزهار"، ولم يطلب إليه أكثر من أن يقرض الشعر (1). وعاش الرجل حينئذ سعيداً طروباً يتغنى بالأمطار والأزهار والقمر والجبال:
وماذا تجدي العبارة أو المقطوعة الشعرية الجميلة؟
إن أمامي جبالاً وغابات كثيفة سوداء فاحمة.
وإن نفسي لتحدثني بأن أبيع تحفي وكتبي
وأعب من الطبيعة وهي صافية عند منبعها ...
فإذا قدمت على مكان بهذا الجمال
مشيت رويداً. وتمنيت أن يغرق الجمال روحي.
أحب أن ألمس ريش الطير.
وأنفخ فيه بقوة حتى أكشف عما تحته من الزغب
وأحب أن أعد إبر النبات أيضاً،
بل أحب أن أعد لقاحه الذهبي،
ألا ما أحلى الجلوس على الكلأ،
ولست بحاجة إلى الخمر حين أجلس عليه، لأن الأزهار تسكرني ..
أحب الأشجار القديمة حباً يسري في عظامي، وأحب أمواج البحر التي في زرقة اليشب.
وأحبه القائد الطيب القلب حباً أفسد على الشاعر راحته، لأنه رفعه إلى منصب عال في الدولة، إذ جعله رقيباً في شانجان، ثم مات القائد فجأة، وثارت الحرب حول الشاعر، فأمسى وحيداً لا سند له إلا عبقريته، وسرعان ما ألفى نفسه فقيراً معدماً، وأخذ أطفاله وقد أذهب عقلهم الجوع يسخرون منه لقلة حيلته، وكان في آخر أيامه شيخاً مهدماً بائساً وحيداً، "يؤذي العين منظره"، وأطاحت الريح بسقف كوخه، وسرق الأطفال قش فراشه، وهو ينظر إليهم ولا يستطيع لضعفه أن يقاومهم (67)، وشر من هذا كله أنه فقد لذة الخمر، ولم يعد في وسعه أن يحل مشاكل الحياة كما يحلها لي بو.
ثم لجأ آخر الأمر إلى الدين ووجد سلواه في البوذية، وعاجلته الشيخوخة ولم يتجاوز التاسعة والخمسين من عمره، فحج إلى جبل هون المقدس ليزور فيه معبداً ذائع الصيت، وهناك عثر عليه حاكم من الحكام قد قرأ شعره، فآواه إلى منزله وأقام وليمة تكريماً له، صُفَّت فيها صحاف الشواء وكؤوس الخمر. ولم يكن ووفو قد رأى ذلك من عدة سنين فأكل أكل الجياع. ثم طلب إليه مضيفه أن ينشد الشعر ويغني، فحاول أن يجيبه إلى ما طلب، ولكنه خارت قواه وسقط على الأرض ومات في اليوم الثاني (68).
مصادر و المراجع :
١- قصة الحضارة
المؤلف: وِل ديورَانت = ويليام جيمس ديورَانت (المتوفى: 1981 م)
تقديم: الدكتور محيي الدّين صَابر
ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين
الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس
عام النشر: 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء: 42 وملحق عن عصر نابليون
29 مارس 2025
تعليقات (0)