المنشورات

اليابان البدائية

مقوماتها الجنسية - مدنيتها الباكرة - الدين
"شنتو" - البوذية - بدايات الفن "الإصلاح العظيم"
لقد ضاعت الأصول اليابانية- كما ضاع غيرها من أصول الأمم- في خليط عام من النظريات، فيظهر أن الجنس الياباني مزيج من عناصر ثلاثة: عنصر بدائي أبيض جاء عن طريق "الأينويين" الذين وفدوا إلى اليابان من منطقة نهر أمور في العصر الحجري الأخير؛ وعنصر أصفر مغولي جاء من كوريا أو عبر خلالها في نحو القرن السابع قبل المسيح؛ وعنصر قاتم من الملايو وأندونيسيا تسرب إلى البلاد من جزر الجنوب: ففي اليابان- كما في أي بلد آخر- شهدت البلاد خليطاً من عناصر مختلفة قبل أن تشهد- بمئات السنين- قيام نمط جنسي جديد يتكلم بلغة جديدة وينشئ مدنية جديدة، وكون عملية المزج بين هذه الأجناس لم تبلغ تمامها بعد، تراه ظاهراً في الفوارق التي بين الأرستقراطي الطويل النحيل طويل الرأس، وبين الرجال من الشعب في قصره وبدانته ورأسه العريض.
وتصف الروايات التاريخية الصينية التي ترجع إلى القرن الرابع، تصف اليابانيين بأنهم "أقزام"، ثم تضيف إلى ذلك أنهم "لا يعرفون الثيرة ولا الوحوش الكاسرة؛ وهو يَشِمُون وجوههم بزخارف تختلف شكلاً باختلاف المنزلة الاجتماعية، ويلبسون رداء مصنوعاً من قطعة واحدة، ولديهم حراب وقِسِىٌّ ورماح في أطرافها حجر أو حديد، وهم لا يلبسون أحذية، ومن خصائصهم طاعة القانون وتعدد الزوجات ويدمنون الشراب وهم طوال الأعمار. 

ونساؤهم يطلين أجسامهن بالأحمر والقرمزي" (11). وتروى هذه المدَّونات عنهم "أن ليس يقع بينهم سرقة، وقلما يشكو أحد منهم أحداً إلى القضاء" (12)، ولم تكد المدنية تبدأ عندهم، وقد صور "لافكاديوهيرن"- مدفوعاً بصدق نظره وبحبه لذلك العصر القديم- صورها فردوساً لا يشوبها استغلال أو فقر؛ ووصف "فنلوزا" طبقة الفلاحين إذ ذاك بأنها مكونة من سادة عسكريين مستقل بعضهم عن البعض (13)؛ وجاءت الصناعات اليدوية إلى اليابان من كوريا في القرن الثالث الميلادي، وسرعان ما انتظمتها نقابات (14)، ودون هؤلاء الصناع اليدويين، كانت تقع طبقة كبيرة من العبيد، جُمع أفرادها من المسجونين وأسرى الحروب (15)، وكان النظام الاجتماعي إقطاعياً إلى حد ما وقبلياً إلى حد ما، فكان بعض الفلاحين يزرعون الأرض عبيداً للسادة أصحاب الأرض، ولكل قبيلة رئيس يكاد يكون ملكاً عليها (16)، وكانت الحكومة بدائية في تفككها وضعفها.
كانت العاطفة الدينية عند اليابانيين الأولين تجد ما يشبعها في العقيدة بأن لكل كائن روحاً، وفي الطوطمية، وفي عبادة الأسلاف وعبادة العلاقة الجنسية (17)؛ فعندهم أن الأرواح سارية في كل شيء- في كواكب السماء ونجومها، في نباتات الحقل وحشراته، والأشجار والحيوان والإنسان (18)، ويعتقدون أن عدداً لا يحصى من الآلهة يحوم فوق الدار وساكنيها ويرقص مع ضوء المصباح ووهجه إذا رقص (19)، والاتصال بالآلهة يكون عندهم بإحراق عظام غزال أو قوقعة سلحفاة، وبفحص العلامات والخطوط التي تحدثها النار، فحصاً تستمد فيه المعونة من الخبراء؛ وتذكر لنا المدونات القديمة الصينية أنه بهذه الطريقة "كان اليابانيون يستوثقون من طيب الحظوظ وخبيثها، ومن ملاءمة الظروف لقيامهم برحلات برية وبحرية أو عدم ملاءمتها" (20). كانوا يخافون الموتى ويعبدونهم، لأن غضبهم قد ينزل بالعالم شراً مستطيراً؛ فلكي يسترضوا هؤلاء الموتى، كان لزاماً عليهم أن يضعوا لهم النفائس في قبورهم- كأن يضعوا سيفاً إذا كان الميت رجلاً، ومرآة إذا كانت امرأة، وكانوا يؤدون الصلاة ويقدمون الطعام أمام صور أسلافهم في كل يوم (21) وكانوا يلجأون إلى التضحية البشرية آناً بعد آن توسلاً لإيقاف مطر غزير، أو ضماناً لثبات بناء أو جدار، وكان يحدث أحياناً أن يدفن الأتباع مع سيدهم الذي مات ليدافعوا عنه في أولى مراحل حياته الآخرة (22).
ومن عبادة الأسلاف نشأت أقدم ديانة قائمة في اليابان، وهي "شنتو" أي "طريق الآلهة" ولها صور ثلاث ": العقيدة المنزلية التي تتجه بالعبادة إلى أسلاف القبيلة، وعقيدة الدولة التي تتجه بالعبادة إلى الحاكمين الأسلاف وهم الآلهة الذين أسسوا للدولة بناءها؛ فكانوا يخاطبون السلف المقدس الأول الذي عنه جاءت سلسلة الأباطرة، ضارعين سبع مرات كل عام، فيتوجه إليه الإمبراطور نفسه بالدعاء، أو من ينوب عن الإمبراطور؛ ثم كانوا يؤدون له صلاة خاصة إذا ما همت الأمة بالاضطلاع بمشروع تراه استثنائياً في قداسته، مثل الاستيلاء على شانتونج (سنة 1914) (23)؛ ولم تكن ديانة "شنتو" بحاجة إلى تفصيل مذهبي أو طقوس معقدة أو تشريع خلقي، ولم تكن لها طبقة من الكهنة خاصة بها، كلا ولا تذهب إلى ما يبعث العزاء في نفوس الناس من خلود الروح ونعيم الفردوس؛ فكان كل ما تطالب به معتنقيها أن يحجوا آناً بعد آن لأسلافهم وأن يقدموا لهم ضراعة الخاشعين، ويفعلوا كذلك لإمبراطورهم ولماضي أمتهم؛ وقد حلت عقيدة أخرى محل هذه العقيدة حيناً، لأنها مسرفة التواضع في جزائها التي تعد به، وفي أوامرها التي تلزم بها الناس.
وفي سنة 522 جاءت البوذية- وكانت قد دخلت الصين قبل ذاك بخمسمائة عام- إلى اليابان خلال القارة الآسيوية، فأخذت تغزو أرجاءها غزواً سريعاً؛ وقد تآمر عاملان فكتبا لها النصر، وهما: الحاجات الدينية عند الشعب، والحاجات السياسية عند الدولة، لأنه لم تكن بوذية بوذا هي التي جاءت إلى اليابان، بما عرفت به تلك البوذية من لا أدرية وتشاؤم وتزمت وشوق إلى النعيم الناشئ عن انمحاء الفرد في الكل، بل جاءتها بوذية "ماهايانا" بآلهتها الوديعة من أمثال "أميدا" "وكوانون"، وباحتفالاتها الدينية البهيجة، واعترافها ببوذيين منتظرين يخلصون البشر، وبخلود الروح الإنسانية، ثم ما هو خير من ذلك، جاءت هذه البوذية تبث في النفوس بأسلوب لا يقاوم لفرط رقته، كل فضائل الورع والسلام والطاعة التي يمكن أن تصوغ الناس صياغة تجعلهم أكثر انصياعاً للحكومة، وراحت تفسح للمظلومين من الأمل والعزاء ما يجعلهم راضين قانعين بشظف عيشهم؛ وتخفف من وطأة الحياة الكادحة وما فيها من برود يشبه برود النثر وفتور العمل المكرور المعاد، بما تبثه في تلك الحياة من شعر متمثلة في الأساطير والصلاة، ومن مسرحية تتمثل في الاحتفالات البهيجة، وهيأت للناس سبيل الوحدة في الشعور والعقيدة، وهما شيئان طالما رحب بهما الساسة، لأنهما أصل النظام الاجتماعي، ودعامة القوة القومية.
ولسنا ندرى أكانت السياسة أم الورع هو الذي كتب النصر للبوذية في اليابان، فلما مات الإمبراطور "يومى" سنة 586، تنازعت وراثة العرش من بعده أسرتان متنافستان، تنازعاً استخدمت فيه السلاح، واعتنقت كلتاهما العقيدة الدينية الجديدة اعتناقاً سياسياً، واستطاع الأمير "شوتوكوتايشي"- الذي يقال عنه إنه ولد وفي يده تميمة مقدسة- أن ينتهي بالحزب البوذي إلى النصر، ثم أقام على العرش "الإمبراطورة سويكو". ولبث تسعة وعشرين عاماً (592 - 621) يحكم الجزر المقدسة أميراً إمبراطورياً ووصياً على العرش وراح يغدق العطاء لمعابد البوذيين، ويشجع رجال الدين البوذي ويعينهم، ويدخل الأخلاق البوذية في صلب القوانين القومية، حتى لقد أصبح بوجه عام للبوذية اليابانية ما كان "أشوكا" لها في الهند, وامتدت رعايته إلى الفنون والعلوم، واستقدم الفنانين ومهرة الصناع من كوريا والصين، وكتب التاريخ، ورسم التصاوير، وأشرف على بناء معبد "هوريوجي"، وهو أقدم آية بقيت لنا في تاريخ الفن الياباني.
لكن على الرغم مما تركه هذا الرجل الناشر لأسباب الحضارة من مختلف الآثار، وعلى الرغم من كافة الفضائل التي راحت البوذية تبثها في النفوس أو تبشر بها، فقد طغت على اليابان أزمة أخرى عنيفة، ولم يكن قد مضى على موت "شوتوكو" جيل واحد؛ ذلك أن أرستقراطياً طموحاً، هو "كاماتاري" قد دبر مع "الأمير تاكا" ثورة في القصر، كانت بداية واضحة لتغير مجرى التاريخ السياسي في "نيبون" (اليابان) حتى ليشير إليها المؤرخون من أبناء البلاد في حماسة وطنية فيصفونها بقولهم "الإصلاح العظيم" (سنة 645)؛ فقد قتل ولي العهد، وأجلس على العرش ملك كهل لم يكن إلا صورة، وكان الأمر في يد "كاماتاري" باعتباره رئيساً للوزراء، فطفق بمعونة "الأمير تاكا"- حين كان لم يزل ولياً للعهد، ثم حين أصبح هو "الإمبراطور تنشي"- يعيد بناء الحكومة اليابانية بحيث جعلها سلطة إمبراطورية أوتوقراطية؛ وارتفع الحاكم من مجرد كونه زعيماً لكبرى القبائل، إلى سلطة شاملة تسيطر على كل موظف في اليابان، فهو الذي يعين كل الحكام، وتدفع له الضرائب كلها مباشرة، وأعلن أن البلاد كلها ملك يمينه؛ وبهذا سارت اليابان بخطوات سريعة من ارتباط بين القبائل مخلخل العرى ورؤساء قبائل يشبهون أشراف الإقطاع، إلى دولة ملكية وثيقة العرى فيما يربط بين أجزائها. 












مصادر و المراجع :

١- قصة الحضارة

المؤلف: وِل ديورَانت = ويليام جيمس ديورَانت (المتوفى: 1981 م)

تقديم: الدكتور محيي الدّين صَابر

ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين

الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس

عام النشر: 1408 هـ - 1988 م

عدد الأجزاء: 42 وملحق عن عصر نابليون

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید