المنشورات

أنكريون التئوسي

تقوم كلوفون Colophon على مسيرة بضعة أيام من إفسوس، ولعل اسمها مأخوذ من اسم التل الذي تقوم على جانبه (1) وقد ولد فيها حوالي 576 ق. م. 

زنوفانيز الذي كان يبغض الكهنة، وقد وصف مواطنيه بأنهم "يلبسون الثياب الأرجوانية الفاخرة، ويُعجبون بشعورهم المصففة المضمخة بالزيوت العطرة الغالية"؛ إن للزهو بلا شك تاريخاً طويلاً (60). وكان الشاعر ممنرموس Mimnermus (610) يغني في هذه المدينة. ولعله كان يغني أيضاً في أزمير، لأقوام سرى فيهم تشاؤم الشرق الواهن بأغانيه الحزينة عن الشباب والحب القصيري الأجل. وشُغف حباً بنانو Nanno الفتاة التي كانت تُوقع أغانيه على نغمات الناي الحزينة، ولما لم تستجب إلى حبه (ولعل سبب امتناعها اعتقادها أن الشاعر إذا تزوج مات) خلّد اسمها في قصيدة من الشعر الرثائي العذب الرقيق.
"نحنُ نزهر كأوراق الربيع، حين تبدأ الشمس تتوهج وتلتهب، وفي مسرات الشباب القصيرة الأجل لا نعرف من الآلهة خيراً ولا شراً، ولكن الأرواح السوداء تقف دائماً عند الهدف، تمسك في يدها عمراً واحداً محزناً وموتاً واحداً" (61).
وبعد مائة عام من ذلك الوقت كان شاعر آخر أعظم شهرة من ممنرموس يعيش في مدينة تئوس القريبة من كلوفون، ذلك هو أنكريون. وكان هذا الشاعر كثير الأسفار ولكنه ولد في أنكريون (563) وتُفي فيها (478). وقد دعاه كثير من الملوك ليعيش في بلاطهم لأنه لم يكن ينافسه في بُعدْ الصيت أحد من معاصريه إلا سمنيدس وحده. ونشهده منضماً إلى جماعة من المهاجرين إلى أبدرا Abdera في تراقية، وينخرط في سلك الجندية، ويحارب في سلسلة أو سلسلتين من المعارك، ثم يترك درعه في الميدان كما كان يفعل الشعراء في زمانه، ولا يستل بعدئذ إلا قلمه، ثم يقضي بضع سنين في بلاط بوليكراتيس في ساموس؛ وجيء به من هناك في موكب رسمي فخم، ليزدان به قصر هيباركس في أثينة، ثم عاد آخر الأمر إلى تئوس بعد الحرب الفارسية ليخفف عن نفسه العناء في شيخوخته وضعفه بالغناء والشراب. وكان جزاؤه على إفراطه في ملذاته أن عمر طويلاً حتى بلغ الخامسة والثمانين من عمره؛ وكان سبب موته على ما نقل إلينا الرواة أن وقفت بذرة عنبة في حلقه (62).
وقد عرفت الإسكندرية خمسة من كتي أنكريون ولكن لم يبقَ من أشعاره إلا بضعة أبيات مزدوجة. وكانت موضوعات شعره هي الخمر، والنساء، والغلمان، وكان يلجأ فيه إلى المزاح اللطيف يصوغه في البحر العمبقي ( Iambic) الخفيف. وأياً كان الموضوع الذي يطرقه فإنه لا يبدو للقارئ بذيئاً أو غليظاً لأنه يصوغه في ألفاظ عفة وشعر رقيق. ولم يكن أنكريون مثل هبوناكس ذا ألفاظ بذيئة حادة، أو مثل سافو في شدتها، بل كان شاعر بلاط يعرض ثرثرته المهذبة الرقيقة على من يشتريها، ويمتدح كل ملك يعجبه ويبتاع له الخمر. ويظن أثنيوس أن أغانيه الخمرية، وتقلبه في عشقه، كانت كلها تصنعاً (63)؛ ولعل أنكريون كان يخفي وفاءه لكي يحظى بإعجاب النساء به، كما كان يخفي اعتداله في الشراب ليزيد بذلك شهرته. وثمة قصة لطيفة تروي كيف صدمت قدمه وهو ثمل طفلاً صغيراً فانهال عليه سباً بأقذع الألفاظ، ثم أحب في شيخوخته هذا الغلام نفسه وكفر عن ذنبه بأن أخذ يكيل له المدح (64). وكان لا يفرق في عشقه بين الذكور والإناث، بل يحب الجنسين على السواء، ولكنه لما كبر دفعته شهامته إلى تفضيل الإناث على الذكور. وقد جاء في بعض ما بقي لنا من شعره: "أنظر الآن، إن الحب ذا الشَّعر الذهبي يضربني بكرته الأرجوانية، ويدعوني لكي ألعب مع فتاة ذات حذائين متعددي الألوان، ولكنها تسكن لسبوس الشامخة، ولا يعجبها شعري الأبيض وتذهب لتبحث لها عن ضحية أخرى" (65). وقد كتب أحد الكتاب الفكهين الذي عاش بعد عصره قبرية تكشف عن حقيقة أمره قال فيها: "الشجرة الساحرة يا ربيبة الخمر، يا كرمة، أينعي وطولي فوق قبر أنكريون حتى يستطيع الصاحب الثمل صديق الشراب الصافي، الذي كان يقضي الليل الطويل يقصف ويطرب ويُنشد على نغمات العود أغاني حب الغلمان، حتى يستطيع ذلك الصاحب الثمل أن يعبث بما فوق رأسه المدفون من عناقيد غصن مليء مثقل، وحتى لا ينفك يبتل برضاب الندى الذي لم يكن شذاه الذكي إلا أنفاساً تخرج من فمه الرقيق حين كبر" (66). 


















مصادر و المراجع :

١- قصة الحضارة

المؤلف: وِل ديورَانت = ويليام جيمس ديورَانت (المتوفى: 1981 م)

تقديم: الدكتور محيي الدّين صَابر

ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين

الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس

عام النشر: 1408 هـ - 1988 م

عدد الأجزاء: 42 وملحق عن عصر نابليون

تعليقات (0)

الأكثر قراءة

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا … ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
المزید
فصبرا في مجال الموت صبرا … فما نيل الخلود بمستطاع
المزید
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت … مزارك من ريّا وشعباكما معا
المزید
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
المزید
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
المزید