في شمال لسبوس تقع تندوس Tenedos الصغيرة التي يقول بعض الرحالة الأقدمين إن نساءها أجمل النساء في بلاد اليونان جميعها (93)، ومنها يسير الإنسان في أثر اليونان المغامرين إلى جزائر اسبرديس الشمالية؛ إلى إمبروس، ولمنوس، وسمثريس. وأنشأ الميليزيون حوالي عام 560 في سعيهم للإشراف على الهلسبنت (الدردنيل) بلدة أبيدوس Abydos على شاطئه الجنوبي، ولا تزال هذه البلدة قائمة حتى الآن (1). ومن هذا المكان قطع ليندر Leander وبيرن Byron المضيق سباحة، ومنه عبر جيش خشيارشاي البحر إلى أوربا على جسر من القوارب، وإلى شرق هذه البلدة استعمر الفوقيون لمباكوس Lampacus مسقط رأس أبيقور. وفي داخل البروبنتس مجموعتان من الجزائر، أولاهما مجموعة الفقونيسوس Phoconnesus، وهي غنية بالرخام الذي أكسب البروبنتس اسمه المعروف به في هذه الأيام (بحر مرمرة- أي بحر الرخام) وثانيتهما مجموعة الأركتنيسوس Arctonnesus. وفي أقصى طرفها الجنوبي أنشأ الميليزيون في عام 757 ثغر سيزكوس Cyzicus العظيم. وقامت على طول الساحل مدينة في إثر مدينة: بنورموس Panormus ودسيليوم Dascylium وأباميا Apameia وكيوس Cius وأستكوس Astacus وخلقدون Chalcedon. وتقدم اليونان مجتازين مضيق البسفور، طلباً للمعادن والحبوب والتجارة، وأنشأوا كرسبوليس Chrysopolis ( اشقودار الحالية) ونتقوبوليس Ncopolis، " مدينة النصر"، ثم شقوا طريقهم على طول الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود، وأقاموا مدائن في هرقلية، وبنتيكا Pontica، وتتوم Tieum، وسينوب Sinope- التي يصفها استرابون بأنها مدينة مزدانة أفخم زينة (94)، بها ملعب رياضي عظيم، وساحة كبرى، وأروقة مظللة ذات عمد؛ وكانت خليقة بأن يولد فيها ديوجين الكلبي Diogenes The Cynic؛ ثم تليها أميسس Amisus، وإينوي Oenoe، وتربوليس Tripolis، وترابيزوس Trapezus ( تربزند أو طربزون)، والتي صاح فيها رجال زنوفون العشرة آلاف من فرط السرور حين أبصروا البحر الذي طالما تاقت نفوسهم لرؤيته. وقد كان افتتاح هذا الإقليم للاستعمار، على يد جيسن في أكبر الظن، ثم على أيدي الأيونيين فيما بعد، مصرفاً ينزح إليه من تفيض بهم المدائن الأصلية من السكان، وتنصرف إليه تجارتها، كما جعلها هذا الفتح مورداً للطعام والفضة والذهب، شأنها في ذلك شأن أمريكا بالنسبة لبلاد أوربا في بداية العصر الحديث (95). واتجه اليونان نحو الشمال إزاء الساحل الشرقي لبحر اليوكسين حين وصلوا إلى كلكيز Colchis الميدية وأسسوا فاسيس Phasis، وديوسكورياس Dioscurias، وثيودوسيا Theodosia، وبنتيكبيوم Panticapaeum في شبه جزيرة القرم. وأنشئوا عند مصبي نهري البوج Bug والدنيبر مدينة ألبيا Olbia ( نيقولايف الحالية) وعند مصب الدنيستر أسسوا مدينة تيراس Tyras، وأقاموا على نهر الدانوب مدينة ترسميس Troesmis. ثم اتجهوا جنوباً على طول الشاطئ الغربي، وشادوا مدائن إستروس Istrus ( قنسطنطة أو قسطج)، وتومي Tomi ( التي مات فيها أوفد)؛ وأدِسُّوس (وارنة)، وأبولونيا Apollonia ( برجاس). وإن الرحالة الذي يدرك طول العصور التاريخية ليذهله قدم هذه المدائن التي لا تزال باقية حتى الآن، ولكن سكانها الحاليين المنهمكين في أعمالهم الحاضرة لا يشغلون أنفسهم بالقرون الطوال المستقرة في بطون الثرى تحت أقدامهم.
وأنشأ المجاريون أيضاً على البسفور حوالي عام 660 مدينة بيزنطيوم (بيزنطية Byzantium) (1) التي كانت إلى عهد قريب تسمى القسطنطينية، والتي تسمى الآن اسطنبول. وقد كان هذا الثغر ذو الموقع الحربي المنيع حتى قبل أيام بركليز مفتاح أوربا كما سماه نابليون في معاهدة تلزت Tilsit. وقد وصف بولبيوس في القرن الثالث قبل الميلاد موقعه البحري بأنه "من حيث السلامة والرخاء خير من موقع أية مدينة أخرى في العالم المعروف لنا" (97). وازدادت ثروة بيزنطية بما كانت تفرضه من المكوس على السفن المارة بها، وبما كانت تصدره إلى العالم اليوناني من حبوب روسيا الجنوبية ("سكوذيا" Scythia) والبلقان، وبما كان يُصاد بلا أدنى عناء من السمك الذي يتجمع في المضايق الضيقة. وقد كان التواؤها، وما تفيضه عليها صناعة الصيد من ثرائهما الذين خلعا على المدينة اسم "القرن الذهبي"، وكانت أثينة في عصر بركليز هي المسيطرة على سياسة بيزنطية، وكانت تفرض المكوس على السفن المارة لتملأ بها خزائنها في أوقات الشدائد، وتعامل إصدار الحبوب من موانئ البحر الأسود معاملة مهربات الحرب (98).
وأنشأ اليونان على الشاطئ الشمالي أو التراقي للبروبنتس مدائن عند سلمبريا Selymbria. وبرنثوس Perinthus ( أرجلي Eregli الحديثة) وبيزنثي Bisanthe، وكليبويس Callipolis ( غاليبولي)، وسستوس Sestus. ثم أقاموا فيما بعد مدناً أخرى على ساحل تراقية الجنوبي الغربي عند أفروديسياس Aphrodisias، وإينوس Oenus، وأبدرا Abdera- حيث قام ليوسبوس Leucippus ودمقرايطوس Democritus بعد ذلك العصر بنشر الفلسفة المادية الذرية (1) وأمام ساحل تراقية في البحر تقع جزيرة ثاسوس Thasos، " الجرداء القبيحة المنظر كأنها ظهر حمار في البحر" كما وصفها أركلوكوس (99)، ولكنها كانت غنية بمناجم الذهب غنى جعل منتجاتها منه تفي بنفقات الأداة الحكومية كلها. وأنشأ الباحثون عن الذهب من اليونان وخاصة الأثينيون على ساحل مقدونية الشرقي أو بالقرب منه مدينتي نيبوليس Neapolis وأمفبوليس Amphipolis- وكان استيلاء فليب على هاتين المدينتين سبباً في اشتعال نار الحرب التي خسرت فيها أثينة حريتها. واستولى يونان آخرون معظمهم من كلسيس وإرتيريا على شبه جزيرة كلسديس Chalcidice ذات الأصابع الثلاث وسموها بهذا الاسم. وما وافى عام 700 ق. م حتى كانوا قد أنشأوا فيها ثلاثين بلدة قدر للكثير منها أن تكون ذات شأن عظيم في تاريخ اليونان: استاجيروس Stageirus ( مسقط رأس أرسطاطاليس) وسيوني Scione، ومندي Mende، وبوتيديا، وأكنثوس Acanthus، وكليوني Cleonae، وتوروني Torone، وأولنثوس Olynthus التي استولى عليها فليب في عام 348 والتي تشتهر عندنا لصلتها بخطب دمستين. وقد كشفت أعمال الحفر الحديثة في أولنثوس عن مدينة واسعة الرقعة ذات بيوت كثيرة من طابقين يحتوي بعضها خمساً وعشرين حجرة. ويبدو أن هذه المدينة كان يسكنها في أيام فليب نحو ستين ألف نسمة. وفي وسعنا أن نستدل من هذا العدد الكبير الذي كان يقيم في مدينة صغيرة، على سرعة تناسل اليونان قبل عصر بركليز ونشاطهم وسرعة انتشارهم.
وآخر ما نذكره عن انتشار اليونان أن المهاجرين الأيونيين استقروا في الجزائر العوبية الواقعة بين كلسديس وجزيرة عوبية الكبيرة، وهي جيرونتيا Gerontia، وبوليجوس Polyaegos، وإيكوس Icos، وبيارثوس Peparethos، واسكانديل Scandile، واسكيروس Scyros؛ وهكذا انطبق محيط الإمبراطورية في الشرق والشمال انطباقاً تاماً والتقى طرفاه. وبفضل نشاط اليونان ومغامراتهم استحالت جزائر بحر إيجة وسواحل آسية الصغرى، وشواطئ الهلسبنت، والبحر الأسود، وسواحل مقدونية وتراقية معششاً من المدائن المصطبغة بالصبغة اليونانية، تفيض بالأعمال الزراعية، والصناعية، والتجارية، وبالنشاط السياسي، والأدبي، والديني، والفلسفي، والعلمي، والفني، وبالبلاغة، والسفسطة، والمماحكة. ولم يبقَ أمام اليونان في ذلك الوقت إلا أن يفتحوا بلاداً يونانية أخرى في غرب بلادهم، ويقيموا قنطرة بين هيلاس القديمة والعالم الحديث.
مصادر و المراجع :
١- قصة الحضارة
المؤلف: وِل ديورَانت = ويليام جيمس ديورَانت (المتوفى: 1981 م)
تقديم: الدكتور محيي الدّين صَابر
ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين
الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس
عام النشر: 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء: 42 وملحق عن عصر نابليون
تعليقات (0)