بويع بالخلافة بعد أخيه السفاح أتته البيعة وهو بمكة لأنه كان حج في تلك السنة وفيها حج أيضا أبو مسلم الخراساني ووقع منه أمور في حق المنصور فنقمها عليه وقتله لما تخلف. وكان المنصور يلقب في صغره بمدرك التراب وأيضًا بعبد الله الطويل، ثم لقب في خلافته بأبي الدوانق لبخله. وكان فحل بني العباس هيبةً وشجاعةً وحزمًا ورأيًا وجبروتًا، وكان جمَّاعًا للمال تاركًا للهو والطرب كامل العقل جد المشاركة في العلم والأدب فقيهًا له حظ في الصلوة والتدين، وكان فصيحًا بليغًا مفوهًا خليقًا للإمارة، إلّا أنه قَتل خلقًا حتى استقام ملكه، وهو أسن من السفاح ولد سنة 95 وأمه سلامة البربرية. وكان قبل الدعوة قد ضرب في الأفاق إلى الجزيرة والعراق وأصبهان وولي بعض كور فارس لعاملها سليمان بن حبيب الأزدي، ثم عزله وضربه ضربًا مبرحًا لكونه احتجز المال. فلما ولي الخلافة ضرب
عنقه. وهو الذي أمر أبا حنيفة بتولية القضاء فلما امتنع أمر بضربه في كل يوم عشرة أسواط على رأسه حتى ورم ومات في حبسه، وهذه من أقبح مساوي المنصور، وقد ندم على ضربه له وتأسف وبكى. وهو الذي بنى مدينة بغداد وفرغ من بنائها سنة 149 وتوطأت الممالك كلها له وعظمت هيبته في النفوس ولم يبق خارجًا منه سوى الأندلس، وزاد في مسجد الحرام زيادة في سنة 148 [إذ] اشترى المنازل التي حوله، وعمَّر مسجد الحيف بمنى وهو أول من رَخَّمه، وهو أول خليفة قرْب المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والعجمية بالعربية ككتاب "كليلة ودمنة" و"إقليدس"، وفي عصره شرع علماء الإسلام في تدوين العلوم. قيل إنه خطب يومًا بالشام فقال في خطبته: ينبغي لكم يا أهل الشام أن تحمدوا الله على ما وهب لكم، فإني [عندما] وليت عليكم صرف الله عنكم ذلك الطاعون الذي كان في زمن بني أمية. فقام إليه أعرابي وقال: إن الله أكرم من أن يجمع علينا أنت والطاعون. فكادت الناس أن تبول من شدة الضحك. وقد كان المنصور رأى منامًا يدل على قرب الأجل فتهيأ وسار إلى الحج فركب من بئر ميمون فلما كان بين الحجون سقط عن فرسه فاندقت عنقه فمات في سابع ذي الحجة وقت السحر سنة 158، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ومدة ملكه إحدى وعشرون سنة وأحد عشر شهرًا وأربعة عشر يومًا، فدفن هناك. وزيره خالد البرمكي وأبو أيوب سليمان بن مخلد. كذا في "حبيب السير"].
مصادر و المراجع :
١- سلم الوصول إلى طبقات الفحول
المؤلف: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني المعروف بـ «كاتب جلبي» وبـ «حاجي خليفة» (المتوفى 1067 هـ)
تعليقات (0)