مولده بالري لما كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان في سنة 148، وأمه أم ولد تسمى خيزران أم الهادي. بويع بالخلافة بعد موت أخيه بعهد من أبيه في ليلة وفاته وولد له تلك الليلة ولده المأمون، وكانت ليلة عجيبة لم ير مثلها في بني العباس. وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر وكان أبيض طويلًا جميلًا مليحًا جسيمًا سمينًا فصيحًا قد وَخَطَه الشيب قبل موته، نقش خاتمه: العظمة والقدرة دله، وهو من أجلّ ملوك الأرض له نظر في العلم والأدب، وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة ويتصدق من خالص ماله كل يوم بألف درهم، وكان يغزو سنة ويحج سنة، وفيه يقول بعض شعرائه:
فمن يطلب لقاءك لمهمٍ ... فبالحرمين أو أقصى الثغورِ
وكان يحب العلم وأهله ويعظم الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارض النص، وكان يبكي على نفسه وإسرافه لاسيما إذا وعظ يأتي إلى الفضيل ويسمع وعظه. وعن أبي معاوبة الضرير قال: أكلت مع الرشيد يومًا ثم صبّ على يدي رجلٌ لا أعرفه، ثم قال لي الرشيد: أتدري من يصبّ عليك، قلت: لا، قال أنا إجلالًا للعلم. قال الحافظ اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره، ووزراؤه البرامكة وقاضيه أبو يوسف وشاعره مروان بن أبي حفصة ونديمه عم أبيه العباس وحاجبه الفضل بن الربيع ومغنيه إبراهيم الموصلي وزوجته زبيدة بنت القاسم انتهى. وكان أغزاه أبوه أرض الروم وهو ابن خمس عشرة سنة وفتحت في خلافته فتوحات كثيرة، وهو الذي فتح عمورية وأحرقها وسبى أهلها. وكان الرشيد يحب اللهو والطرب والمديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة. ولم يتكلم فيه سوى ابن حزم الظاهري. وفي سنة 186 عقد الأمر بعده للأمين ثم بعده للمأمون ثم للمؤتمن، لكن إن شاء المأمون قرره وإن شاء محاه عن الأمر، وأخذ على كل أغلظ الأيمان وعلق ذلك في الكعبة. وكانت أيام الرشيد كلها خيرًا كأنها من حسنها أعراس، وأخباره ومحاسنه كثيرة. خرج في آخر عمره إلى الغزو فأدركته ألبلية بطوس في ثالث جمادى الآخرة سنة 193 وصلى عليه ابنه صالح ودفن
بها وله خمس وأربعون سنة. وأخذ رجاء الخادم البردة والقضيب والخاتم وسار من مرو حتى قدم بغداد، فدفع ذلك إلى الأمين. وكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا، وكان له من البنين اثني عشر ذكرًا منهم: الأمين والمأمون والمؤتمن والمعتصم، ومن البنات خمس عشرة، فعين الري للمامون والشام وقنسرين والثغور للمؤتمن، وباقي أولاده مذكور في "حبيب السير"].
مصادر و المراجع :
١- سلم الوصول إلى طبقات الفحول
المؤلف: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني المعروف بـ «كاتب جلبي» وبـ «حاجي خليفة» (المتوفى 1067 هـ)
تعليقات (0)