سمع سويد بْن سعيد، وعثمان بْن أبي شيبة، وعمرو بن محمد الناقد، وخلقا كثيرا. روى عنه أبو بكر الشافعي، وابن الصواف وغيرهما. وكان ثقة عفيفا نبيلا ثبتا [2] له حال من الدنيا واسعة، وطريقة في الخير محمودة، وإليه ينسب شارع ابن أبي عوف المسلوك فيه [3] إلى نهر القلائين، وكانت له منزلة من السلطان واختصاص بعبيد الله بن سليمان الوزير، ومودة في أنفس العوام [4] .
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بْن مُحَمَّد، قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، أخبرنا علي بن الحسن، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني القاضي أَبُو عمر عُبَيْد اللَّهِ بْن الحسين السمسار، قَالَ: حدثني أَبُو عَلي بْن إدريس الشاهد، قَالَ: حدثني أَبُو عبد الله بْن أبي عوف، قَالَ [: كَانَ] [5] سبب اختصاصي بعُبَيْد اللَّهِ بْن سليمان أني اجتزت يوما في جامع [المنصور] [6] بالمدينة، فوجدته وهو ملازم بثلاثمائة دينار في يد غريم له وهو في عقب النكبة [1] ، وكنت أعرف محله عن مودة [2] بيننا، فقلت له: لأي شيء أعزك الله أنت هاهنا جالس؟ فَقَالَ: ملازم في يد هذا الرجل بثلاثمائة دينار له علي. قال: فسألت الغريم إنظاره، فَقَالَ: لا أفعل، فقلت له: [فالمال] [3] لك على أن تصبر عَلي إلى بعد أسبوع [4] حتى أعطيك إياه، فَقَالَ: تعطيني خطك بذلك، فاستدعيت دواة ورقعة، وكتبت له ضمانا بذلك إلى شهر فرضي وانصرف، وقام عُبَيْد اللَّهِ/ فأخذ يشكرني، فقلت تمم أيدك الله سروري بأن تصير معي إلى منزلي، فأركبته حماري ومشيت خلفه إلى أن دخلنا داري [5] ، فأكلنا فنام، فلما انتبه أحضرته كيسا، وقلت: لعلك على إضاقة فأسألك باللَّه إلا أخذت منه ما شئت، [قَالَ] [6] : فأخذ منه دنانير وقام فخرج، فأقبلت امرأتي تلومني [7] وتوبخني، وتقول [8] : ضمنت عنه ما لا يفي به [9] ولم تقنع إلا بأن أعطيته شيئا آخر! فقلت: يا هذه فعلت جميلا وأسديت يدا جليلة [10] إلى رجل حر كريم جليل [11] من بيت، فإن نفعني الله بذلك فله قصدت، وإن تكن الأخرى لم يضع عند الله! ومضى على هذا الحديث مدة وحل الدين، وجاء الغريم يطالبني [12] ، فأشرفت على بيع عقار لي ودفع ثمنه إليه ولم استحسن [على] [13] مطالبة عُبَيْد اللَّهِ ودفعت الرجل بوعد وعدته [إياه] [1] إلى أيام، فلما كَانَ بعد يومين جاءتني رقعة عُبَيْد اللَّهِ يستدعيني فجئته، فَقَالَ: وردت على غليلة من ضيعة لي [أفلتت من البيع في النكبة] [2] ومقدار ثمنها مقدار ما ضمنته عني فتأخذها فتبيعها وتصحح ذلك للغريم، فقلت: أفعل [3] ، فحمل الغلة إلي فبعتها، وحملت الثمن بأسره إليه وقلت: أنت مضيق وأنا أدفع الغريم وأعطيه البعض من عندي [فاتسع أنت بهذا، فجهد أن آخذ منه شيئا فحلفت أن لا أفعل ووفرت الثمن عليه، وجاء الغريم فأعطيته البعض من عندي] [4] ودفعت به مديدة ولم يمض على ذلك إلا يسير حتى ولي عبيد الله الوزارة فأحضرني من يومه [5] ، وقام إلي من مجلسه، وجعلني في السماء فكسبت به من الأموال [6] هذه النعمة التي أنا فيها.
قَالَ عَلي بْن المحسن: وذكر أَبُو الحسن أَحْمَد بْن يُوسُف بْن يعقوب [بْن إسحاق] [7] بْن بهلول أن أباه حدثه، قَالَ: خرجت من حضرة عُبَيْد اللَّهِ بْن سليمان في وزارته أريد الدهليز، فخرج ابن أبي عوف، فصاح البوابون والحجاب والخلق: هاتوا دابة لأبي عبد الله، [هاتوا دابة لأبي عبد الله] [8] !! فحين قدمت دابته ليركب [9] ، [خرج الوزير ليركب] [10] فرآه فتنحى أَبُو عبد الله بْن أبي عوف وأمر بإبعاد دابته لتقدم دابة الوزير، فحلف الوزير أنه لا يركب ولا تقدم دابته حتى يركب ابن أبي عوف، قَالَ: فرأيته قائما والناس قيام بقيامه حتى قدمت دابة ابن أبي عوف [فركبها] [11] ، ثم قدمت دابة الوزير فركب وسارا جميعا.
توفي ابن أبي عوف في شوال هذه السنة.
مصادر و المراجع :
١- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
(المتوفى: 597هـ)
تعليقات (0)